في الثقافة المغربية، تقبيل يد الوالدين أو كبار السن والملك، من مكارم الأخلاق والبر والوقار واعتراف بالحكمة ورد للجميل، وفي الحظيرة تملقا وخنوعا واستلابا نفسيا ومذلة وفقدانا للكرامة

في الثقافة المغربية، تقبيل يد الوالدين أو كبار السن والملك، من مكارم الأخلاق والبر والوقار واعتراف بالحكمة ورد للجميل، وفي الحظيرة تملقا وخنوعا واستلابا نفسيا ومذلة وفقدانا للكرامة

عبدالقادر كتـــرة

أثار مشهد تقبيل شاب جزائري ليد رئيس حزب جزائري خلال الحملة الانتخابية التشريعية التي تشهدها الجزائر هذه الأيام جدلا واسعا، أعاد إلى الأذهان مجموعة من المشاهد السابقة المهينة والمذلة والحاطة من الكرامة نتيجة حكم النظام العسكري الجزائري الاستبدادي الشمولي الذي بحكم بالحديد والنار شعبا مغلوبا على أمره.

مشاهد تقبيل مواطن جزائري لأقدام مسؤول جزائري وتقبيل صور للرؤساء الجزائريين والانحناء لها ومخاطبتها والسجود عليها، بل حتى مشاركة هذه الصور في الحملات الانتخابية على غرار صور ابرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة…

أما تقبيل المواطنين الجزائريين لأيدي الرؤساء الفرنسيين رموز الاستعمار الفرنسي، فالأمثة كثيرة بدءا بتقبيل يد الرئيس الاسبق فرانسوا هولاند وتقبيل يد ووجنتي الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون خلال زيارتهما للجزائر والتوسل إليهما بمنحهم التأشيرة للرحيل والاقامة بفرنسا الاستعمارية….

تعرض الصورتان مجموعتين من مشاهد “تقبيل اليد” من زاويتين متناقضتين تماماً، حيث يحدد السياق الثقافي والسياسي والتاريخي دلالة هذا الفعل، يلامس عصباً حساساً في سيكولوجية الشعوب وتاريخها مع السلطة والاستعمار.

1. المشهد المغربي: رمزية الاحترام، التوقير، والسيادة

الصور المرفقة في هذا الملف تعكس ممارسة متجذرة في الثقافة المغربية (والإسلامية عموماً). نلاحظ:

– تقبيل يد كبار السن والأقارب: (صور الشيوخ في السوق والشارع، والرجل الذي يقبل يد السيدة المسنة). هذا الفعل لا علاقة له بالخضوع للسلطة، بل هو تعبير عن “البر” و”الوقار”.

في الثقافة المغربية، تقبيل يد الوالدين أو الجد أو كبار السن هو اعتراف بالحكمة ورد للجميل، ويُعد من مكارم الأخلاق.

– البعد الروحي والمؤسساتي: الصورة التاريخية لتقبيل يد السلطان (محمد الخامس). في النسق السياسي المغربي، تقبيل يد الملك يرتبط بـ مؤسسة “إمارة المؤمنين” ورابطة “البيعة” . إنه ليس خضوعاً لشخص بقدر ما هو ولاء لمؤسسة تضمن وحدة الأمة وتاريخها الممتد لقرون.

خلاصة القول في الثقافة المغربية، تقبيل اليد هنا هو فعل داخلي (بين أبناء الوطن الواحد)، تحكمه ضوابط اجتماعية، دينية، وأخلاقية. إنه فعل يكرس التلاحم الاجتماعي ويعكس سيادة ثقافية لم تكسرها التدخلات الأجنبية.

2. المشهد الجزائري (عبر الصور المعروضة): رمزية الخضوع، والتبعية النفسية

الصور في المجموعة الثانية توثق لمشاهد تقدم سياقاً مختلفاً وصادماً للوجدان في الجزائر:

– تقبيل يد المستعمر السابق: ظهور مواطن يقبل يد الرئيس الفرنسي السابق (فرانسوا هولاند)، وتهافت البعض للتقرب من (إيمانويل ماكرون).

هذا المشهد ينسف فكرة “الاحترام المتبادل” ويضعنا أمام حالة من الخنوع والاستلاب النفسي.

– عقدة المستعمر: عندما يقبل مواطن من دولة استعمرت بلاده لـ 132 عاماً، وقتلت الملايين، يدَ رئيس تلك الدولة المستعمرة، فإن الفعل يتجرد من أي نبل أخلاقي ليصبح دليلاً على “متلازمة ستوكهولم” السياسية. إنه يعكس شعوراً بالدونية أمام “الرجل الأبيض” أو المستعمر القديم.

– الخضوع للسلطة غير الشرعية: الصورة الأخرى التي تظهر تقبيل يد مسؤول محلي (في بيئة غير تقليدية مثل الشارع العادي)، تعكس في هذا السياق تملقاً وطلباً للمنفعة، وليس توقيراً نابعاً من التقاليد.

خلاصة القول في الثقافة الجزائرية، تقبيل اليد هنا هو فعل خارجي (تجاه الأجنبي المستعمر)، أو فعل سلطوي نفعي، يعكس غياب الكرامة الوطنية ويتناقض تماماً مع شعارات “السيادة” و”الأنفة” التي يرفعها النظام.

3- ثقافة تقبيل اليد لها تداعيات على الشعبين:

أ. بالنسبة للشعب المغربي (تكريس الهوية والسيادة):

استمرار هذه التقاليد بشكل طبيعي (مع الشيوخ والآباء والسلطان) يعطي المواطن المغربي شعوراً بالاستقرار النفسي والهوياتي.

– يشعر المغربي أنه يعيش في أمة ذات تاريخ غير منقطع، لم يستطع الاستعمار (الذي كان حماية قصيرة الأمد نسبياً) أن يطمس هويتها أو يكسر كبرياءها أو يغير منظومتها الاجتماعية.

– السيادة هنا تتجسد في أن المواطن يحترم رموزه الوطنية والدينية، ولا يطأطئ رأسه للأجنبي.

ب. بالنسبة للشعب الجزائري (الصدمة والتناقض):

– أزمة الهوية والخطاب: هذه الصور تشكل إحراجاً كبيراً وإهانة للمواطن الجزائري الحر الذي يتشبع بخطاب “بلد المليون ونصف المليون شهيد”.

التناقض الصارخ بين خطاب الأنفة الثوري الرسمي، وبين واقع ارتماء البعض في أحضان مسؤولي فرنسا وتقبيل أياديهم، يخلق شرخاً نفسياً واجتماعياً.

– إهانة الذاكرة الوطنية: قراءة هذه المشاهد تعتبر إهانة مباشرة لدماء الشهداء الذين سقطوا لتحرير البلاد من الهيمنة الفرنسية.

إنها تكشف عن فشل النظام في بناء “مواطن” حر الإرادة، ومستقل نفسياً واقتصادياً عن المستعمر السابق.

– التبعية الكامنة: تؤكد هذه الصور للمراقب الخارجي والداخلي أن الاستقلال العسكري لم يتبعه استقلال ثقافي أو سيكولوجي كامل (لدى فئة معينة)، وأن النخب والأنظمة التي تروج للعداء للمغرب المجاور، هي نفسها التي تسمح بمشاهد الإذلال أمام الرئيس الفرنسي في شوارع الجزائر.

ختاما، الفرق دقيق جداً؛ “الفعل واحد، والسياق يصنع الفارق من النقيض إلى النقيض” . في المغرب، اليد التي تُقبّل هي يد الأم، الأب، العالم، أو رمز سيادة الأمة، وهو تقبيل يرفع من شأن المُقبِّل لأنه اعتراف بالفضل.

أما في مشاهد تقبيل أيدي رموز الاستعمار، فهو تقبيل يذل المُقبِّل، لأنه اعتراف بالتبعية وتنازل صريح عن الكرامة والسيادة الوطنية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *