ظَاهِرَةُ التَّقْلِيدِ عِنْدَ ابْنِ خَلْدُونَ: “شَكْلُ التَّقْلِيدِ، يُقَلِّدُ الْمَغْلُوبُ الْغَالِبَ فِي مَظْهَرِهِ وَعَادَاتِهِ؛ مِثْلِ زِيِّهِ (مَلَابِسِهِ)، وَنِحْلَتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ وَعَوَائِدِهِ (تقاليده) ولُغَتِهِ، أُسْلُوبِ حَيَاتِهِ”، نموذج الجزائر مع المغرب
عبدالقادر كتـــرة
يقول ابن خلدون في مقدمته:”المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه.”
تحلیل ابن خلدون للظاهرة: “شكل التقليد يقلد المغلوب الغالب في مظهره وعاداته؛ مثل زيه ملابسه)، لغته، أسلوب حياته، وحتى في أسلوب صناعة أسلحته وتقاليده .
– أسباب التقليد النفسية
اعتقاد الكمال ينبهر المغلوب بالمنتصر، فتقع نفسه في اعتقاد أن الغالب يتميز بالكمال والتفوق، وأن هزيمته جاءت بسبب هذا الكمال.
– وهم الأسباب : يعتقد المغلوب (مغالطة) أن تفوق الغالب وقوته يكمنان في طريقة حياته ومظهره، فيقلده تقليداً أعمى معتقداً أن هذا التقليد سيمنحه القوة أو يفسر سر الانتصار
– عقدة النقص : تفسر هذه المقولة كيف تتولد لدى المهزوم نظرة نقص تجاه هويته الأصلية، مما يدفعه للتماهي والذوبان في ثقافة وشخصية الغالب كنوع من التبرير النفسي للهزيمة “.
يظهر جلياً من خلال قيام الطرف المغلوب (الجزائر) بتقليد الطرف الغالب (المغرب) في مظهره وعاداته؛ ويشمل ذلك الملابس، وأسلوب الحياة بشكل عام.
وتصاب نفسية المغلوب بحالة من الانبهار بالمنتصر، مما يولد قناعة داخلية بأن الغالب يتميز بالكمال والتفوق، وأن الهزيمة أو التراجع أمامه كان بسبب هذا الكمال المطلق.
كما يقع المغلوب في فخ مغالطة سببية؛ إذ يعتقد أن تفوق الغالب يكمن في طريقة حياته ومظهره الخارجي. هذا الوهم يدفعه للتقليد الأعمى ظناً منه أن اكتساب هذا المظهر سيمنحه القوة أو يفسر له سر الانتصار.
فتنتج هذه الديناميكية نظرة دونية تجاه الهوية الأصلية للمهزوم، مما يدفعه للذوبان في ثقافة الغالب والتماهي معها كآلية من آليات التبرير النفسي لواقعه.
عند تطبيق هذه القاعدة الخلدونية التحليلية على السياق (استنساخ التراث المغربي من طاقات وفنون وأزياء)، يمكن استخلاص القراءات والتعقيبات التالية:
1. تجليات “شكل التقليد” في الزي المخزني:
ظهور شخصيات رسمية أو وزراء بـ “الجلابة المغربية المخزنية” في المناسبات الدينية (كأيام العيد) هو تطبيق مباشر لمفهوم الاقتداء في “الزي والعوائد”.
يُمثل الزي المخزني المغربي تراكماً حضارياً يرمز للهيبة والوقار وتجذر مؤسسة الدولة. الطرف المقلد هنا يلجأ إلى استعارة هذا الزي الجاهز ليضفي على نفسه تلك الهيبة التاريخية، بدلاً من تطوير زي محلي نابع من تراثه الخاص.
2. التماهي مع الفنون والطبخ (وهم الأسباب):
محاولة استنساخ الفنون الفلكلورية ذات الطابع المحلي المغربي الصرف (مثل فن “عبيدات الرما” المرتبط تاريخياً بمناطق وقبائل مغربية محددة)، أو تقليد المطبخ المغربي، يعكس حالة “وهم الأسباب”.
ويعتقد المقلد (المنبهر ثقافياً) أن تبني هذه المظاهر الثقافية العريقة سيمنحه نفس الزخم والعمق الحضاري الذي تملكه الأمة المغربية (الغالبة ثقافياً وتاريخياً في هذا السياق).
3. التشويه الثقافي كنتيجة لـ “عقدة النقص”:
التقليد الذي ينتهي بـ “تشويه التراث” يفسره التحليل الخلدوني من خلال “عقدة النقص”. عندما يحاول المقلد التماهي مع ثقافة الغالب، فإنه يصطدم بعدم امتلاكه للسياق التاريخي، أو الحرفية المتوارثة (الصنعة)، أو الروح الأصلية التي أنتجت ذلك التراث. هذا العجز عن المطابقة التامة يولد نسَخاً هجينة ومشوهة.
إضافة إلى ذلك، فإن محاولة نسب هذا التراث للمقلد بشراسة هي محاولة للهروب من مرارة “نظرة النقص تجاه الهوية الأصلية”، فيتحول التقليد من مجرد إعجاب إلى عملية استيلاء وطمس للأصل كنوع من التبرير النفسي لإثبات الذات والتخلص من عبء التبعية الثقافية.
قد يتساءل البعض عن سر علاقة غلبة المغرب وتفوقه ومغلوبية الجزائر وانهزامبتها التي ولدت عند النظام العسكري الجزائري عقدة النقص وتجسيد النظرية الخلدونية، ونذكر بمجموعة من الأحداث التاريخية خاصة بعد خروج فرنسا من الجزائر ومنحها “استقلالا” مشروطا بالتبعية لها، كان أولها “حرب الرمال”(1963) التي اختلقها النظام الجزائري عبر أول رئيس للجزائر وشرذمته أحمد بنبلة المراكشي وانتهت باندحار العسكر الجزائري شر اندحار وثقت للمقولة المظلومية التي صدح بها “بنبلة” ولا زال صداها يتردد إلى يومنا هذا: “حكرونا حكرونا”.
شهدت بلدة أمغالا بالصحراء المغربية معارك ضارية بين المغرب والجزائر طوال ثلاثة أيام (27-29 يناير 1976)، بعد هجوم عسكر المقبور هواري بوخروبة فلقنته أسود القوات المسلحة الملكية درسا أصيب إثره بمرض نهشه حتى أقبره، وتمت إبادة المعتدين البوخروبيين وأسر المغرب حوالي 100 جندي وضابط جزائري، حينها خرج المقبور بوخروبة بقولته المشهورة، مذموما مدحورا، مقولة “أزمة رجال” أو “ما عنديش رجال” …
أضف إلى ذلك شهادات أشلاء جثث المرتزقة ومن والاهم من الجرذان والكلاب الضالة التي تجاوز حدودها وانهت الدرون وجودها والتهمتها رمال الصحراء المغربية الحرة الشريفة…
ناهيك عن الصفعات واللكمات والانتكاسات القوية والمهينة التي تلقتها عصابات جنرلات ثكنة بنعكنون وكهنة قصر المرادية ومرتزقتها ومن والاهم المارقون الخبثاء في المحافل الدولية على يد أسود دبلوماسية المملكة المغربية الشريفة…
“نفق” عشرات بل مئات من قطيع كابرانات عسكر الحظيرة وحكامهم وبقي المغرب شامخا في صحرائه والصحراء عروسة زهية في مغربها ولا عزاء الأنظمة المارقة الفاشلة الخبيثة…
ويبقى المغرب شوكة في حلق الأعداء والغالب والغلبة له و لا غالب إلا الله…
خلاصة القول، من المنظور السوسيولوجي لابن خلدون، فإن القوة الناعمة والتراكم الحضاري العميق (الذي يمثله التراث المغربي في هذه المعادلة) يفرض نفسه كنموذج لـ “الكمال” في عين الطرف الآخر. وبالتالي، فإن هذا الهوس والتقليد ليس سوى اعتراف ضمني غير واعي بتفوق الثقافة المُقَلَّدة، وانعكاس لأزمة هوية تبحث عن ترميم نقصها عبر ارتداء عباءة الجار ثقافياً وحضارياً.

