صدق أو لا تصدق، يحدث هذا في الجزائر: نائب برلماني يشتغل مخبرا للنظام العسكري، يراقب منشورات مواطنيه على فيسبوك ويشي بمن ينتقد الأوضاع الإجتماعية
عبدالقادر كتـــرة
“بلَّغ رئيس فئة التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والشؤون الدينية بالمجلس الشعبي الوطني الجزائري، زكرياء بلخير، عن ما وصفه بنشر “مضامين من شأنها إثارة الفرقة وبث الفتن داخل مجتمع ولاية أفلو وخارجها، بما قد يؤثر سلباً على السلم الاجتماعي والوحدة لوطنية”.
وذكر النائب في شكوى مرفوعة إلى وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية اليوم. نشرها على حسابه ب “فيسبوك”، أن المضامين نشرتها مجموعة على منصة “فيسبوك” تحمل اسم أخبار أفلو اليوم””.
تفاصيل التحرك الذي قام به النائب الجزائري “زكرياء بلخير” شملت توسيع دائرة الشكوى إذ لم يقتصر بلاغ النائب على وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية فحسب، بل وجه الشكوى أيضاً إلى وزير العدل، (الحادثة وقعت في 4 ماي 2026)، مطالباً صراحةً بتدخل الجهات المختصة لـ “إغلاق” مجموعة فيسبوك “أخبار أفلو اليوم”.
وبرر النائب خطوته بأنه كانت هناك محاولات سابقة من “أفاضل” للتواصل مع مسؤولي الصفحة لتنبيههم، ولكن تعذر الوصول إليهم، معتبراً أن المجموعة تُركت “دون إشراف فعلي يضبط محتواها”.
اللافت في الشكوى أن النائب لم يحدد طبيعة “المضامين” أو المنشورات التي اعتبرها هادمة للمجتمع، بل اكتفى باستخدام مصطلحات قانونية فضفاضة مثل “تهديد السلم الاجتماعي”، “الوحدة الوطنية”، و”حماية النظام العام”، تاركاً التكييف القانوني للسلطة التنفيذية والقضائية.
تعكس هذه الحادثة تقاطعاً معقداً بين العمل النيابي، حرية التعبير، والهاجس الأمني من خلال أن القاعدة الأساسية في الديمقراطيات هي أن النائب يمثل “الشعب” أمام “السلطة” (الحكومة)، ويدافع عن حرياتهم وحقوقهم.
في هذه الحالة، تصرف النائب كممثل لـ”السلطة” (والهاجس الأمني) ضد منصة تعبير مجتمعية، مما يقلب الدور الدستوري والسياسي للبرلماني.
النائب “المخبر” ركز على استخدام المصطلحات المطاطة، حيث تندرج مصطلحات “السلم الاجتماعي” و”الوحدة الوطنية” ضمن الترسانة اللفظية التي تُستخدم غالباً في السياق الجزائري لتبرير التضييق على حرية الرأي والتعبير.
إطلاق هذه التهم على صفحة إخبارية محلية (في ولاية أفلو) يشير إلى حساسية مفرطة تجاه أي نقاش محلي قد يسلط الضوء على إخفاقات تنموية أو اجتماعية.
ورغم أن الفضاء الأزرق (فيسبوك) في الجزائر يعتبر من المتنفسات القليلة المتبقية للنقاش العام بعد التضييق على الإعلام التقليدي، إلا إن لجوء نائب برلماني للتبليغ عن صفحة يؤكد وجود توجه لفرض رقابة صارمة على هذا الفضاء.
تحول النائب “إلى مخبر في خدمة المخابرات ضد مواطنيه” يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، إذ من الناحية الموضوعية، وظيفة النائب هي التشريع ومساءلة الحكومة، وليس لعب دور “الرقيب الإلكتروني” أو الشرطي الأخلاقي.
وعندما يتماهى المشرّع مع الأجهزة التنفيذية والأمنية لدرجة المبادرة بتقديم بلاغات ضد مواطنين أو صفحات محلية بدلاً من استيعاب غضبهم أو نقاش أفكارهم، فإنه يفقد صفته كممثل للأمة ويتحول في نظر الشارع إلى امتداد للأجهزة الرقابية. هذا التصرف يمحو الخط الفاصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية.
إن تطبيع مثل هذه الممارسات يحمل تداعيات خطيرة على المدى المتوسط والبعيد، وستزيد من عزوف الجزائريين عن العمل السياسي والانتخابات. إذا كان البرلماني الذي يُفترض أن يحمي المواطن هو من يطالب بإسكات صوته، فلن يرى المواطن أي جدوى من مؤسسة البرلمان.
وإغلاق الصفحات المحلية (مثل أخبار أفلو) لا يحل المشاكل التي تُطرح فيها (سواء كانت تنموية، اجتماعية، أو حتى صراعات محلية). كبت هذه الأصوات يؤدي إلى تكميم مؤقت يتبعه عادةً انفجار اجتماعي غير مؤطر على أرض الواقع، لأن قنوات التنفيس الطبيعية قد أُغلقت.
وعندما تصبح التهديدات بالملاحقة القانونية وإغلاق المنصات تأتي من “نواب الشعب”، فإن ذلك يخلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية يقتل أي مبادرة للإعلام المواطني أو الصحافة المحلية المستقلة.
خلاصة القول، استمرار استخدام قوانين ومصطلحات فضفاضة لقمع النشاط الإلكتروني يُبقي الجزائر تحت مجهر الانتقادات الدولية المتعلقة بملف الحريات وحقوق الإنسان.

