أفريقيا المتحجرة الغارقة في مستنقع العبث: سرطان التخلف والفوضى والعشوائية ينهش جميع مؤسسات وفروع جسد الإتحاد الأفريقي وينذر بقرب “نفوقه”

أفريقيا المتحجرة الغارقة في مستنقع العبث: سرطان التخلف والفوضى والعشوائية ينهش جميع مؤسسات وفروع جسد الإتحاد الأفريقي وينذر بقرب “نفوقه”

عبدالقادر كتـــرة

شهدت جلسة انتخابات البرلمان الإفريقي التي انعقدت في أواخر أبريل 2026 بمدينة ميدراند في جنوب إفريقيا، تجاذبات سياسية وقانونية حادة، تعكس في جوهرها انعكاساً مباشراً للديناميات الجيوسياسية والتنافس الدبلوماسي المستمر بين القوى الإقليمية في شمال إفريقيا.

خلال الدورة الاستثنائية للبرلمان الإفريقي، جرت عملية التصويت لانتخاب رئيس جديد للمؤسسة التشريعية القارية للعهدة (2026-2029) خلفاً للزيمبابوي فورتشن شارومبيرا.

أسفرت النتائج في 30 أبريل 2026 عن فوز المرشح الجزائري فاتح بوطبيق برئاسة البرلمان، حيث حصل على أغلبية الأصوات (119 صوتاً).

وقد جاء هذا الفوز بعد تنافس قوي داخل المجموعة الجيوسياسية لشمال إفريقيا، ليتوج بوطبيق رئيساً ويؤدي اليمين الدستورية في الجلسة ذاتها.

هل احترمت مؤسسة البرلمان الإفريقي ميثاقها؟

من وجهة نظر الجهة المنظمة والطرف الفائز: اعتُبرت الانتخابات ممارسة ديمقراطية سليمة، ووُصف فوز بوطبيق بأنه “انتصار لإرادة إفريقية موحدة”، وأن العملية تمت وفق الآليات المتاحة داخل المؤسسة.

من الناحية القانونية والمؤسساتية المعارضة: واجهت العملية انتقادات شديدة بكونها افتقرت إلى الشرعية القانونية.

فقد سُجلت تجاوزات للإجراءات المسطرية المنصوص عليها في الميثاق والبروتوكول المنظم لعمل البرلمان، مما جعل التزام المؤسسة بالحياد والشفافية محل شك جدي، وفتح باب التساؤلات حول مدى قدرة مؤسسات الاتحاد الإفريقي على تحصين نفسها من التجاذبات الإقليمية.

لماذا احتج الوفد المغربي على المجريات؟

قاد الوفد المغربي، وعلى رأسه  لحسن حداد، احتجاجاً شديد اللهجة ضد مجريات العملية الانتخابية ونتائجها، وذلك استناداً إلى عدة مآخذ قانونية وإجرائية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

– خلل بنيوي وليس أخطاء تقنية: أكد الوفد المغربي أن ما شاب الانتخابات لم يكن مجرد هفوات تقنية معزولة، بل “يعكس خللاً بنيوياً في احترام القواعد، وانحرافاً عن روح التوافق، وتقويضاً لمبادئ الشفافية والحياد”.

– الطعن في الشرعية القانونية: اعتبر المغرب أن العملية برمتها تفتقر إلى الشرعية القانونية، وأن النتائج محاطة بشكوك جدية، نظراً لعدم احترام المساطر المعتمدة في التنافس والترشح داخل التجمعات الإقليمية.

– غياب التوافق الإقليمي: يعتمد العرف المؤسسي في الاتحاد الإفريقي غالباً على مبدأ التوافق داخل المجموعات الجيوسياسية (مثل مجموعة شمال إفريقيا) قبل التوجه للتصويت العام. واحتج الوفد المغربي على مصادرة هذا العرف والدفع بمرشح بطريقة اعتبرها الوفد فرضاً للأمر الواقع، مما يخل بالتوازن الإقليمي داخل الأجهزة القارية.

تعاني أفريقيا من “أزمة الحكامة الهيكلية” (العشوائية والفوضى) التي تعاني منها مؤسسات العمل القاري المشترك، من خلال عدة مستويات تحليلية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد والقانون:

1. اختطاف المؤسسات لصالح التوازنات الجيوسياسية

إن ما يُوصف بـ “العشوائية والفوضى” داخل أروقة الاتحاد الإفريقي وفروعه ليس دائماً نتاجاً لضعف الكفاءة فحسب، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لتحويل هذه المؤسسات إلى حلبات لتصفية الحسابات الإقليمية. النزاعات السيادية وتضارب المصالح بين القوى الإقليمية، خاصة في مناطق التماس الجيوسياسي مثل شمال إفريقيا والساحل، تجعل من الصعب استصدار قرارات قارية موحدة. وبدلاً من أن تكون هذه الهيئات قاطرة للتكامل، تصبح أسيرة للاستقطاب، مما يصيب آليات اتخاذ القرار بـ “التصلب” أو “التحجر” المذكور في المقولة.

2. الكاف (CAF) كمرآة مصغرة للواقع السياسي القاري

ما يقع في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يُعد امتداداً طبيعياً ومجهراً كاشفاً لأعطاب الجسد الأم.

لقد تحولت الرياضة، وتحديداً كرة القدم في إفريقيا، إلى أداة من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الهجومية.

– غياب النزاهة المؤسساتية والهشاشة القانونية: تتجلى “الفوضى” في التخبط القانوني المتكرر وتسييس اللوائح الرياضية.

إن اللجوء المتكرر لمحكمة التحكيم الرياضية (الطاس – CAS) لحل نزاعات إفريقية داخلية، والتجاذبات حول تنظيم التظاهرات الكبرى والمباريات القارية، يؤكد غياب بيئة قانونية داخلية صلبة ومستقلة، ويثبت أن القرارات غالباً ما تُتخذ بخلفيات تنظيمية وسياسية تفتقر إلى النزاهة المؤسساتية.

3. متلازمة التبعية الاقتصادية

لا يمكن لأي مؤسسة، سواء كانت البرلمان الإفريقي أو مفوضيات الاتحاد، أن تدعي الاستقلالية والمناعة ضد “العبث” وهي تفتقد للسيادة المالية.

الارتهان للتمويل الأجنبي في ميزانية الاتحاد الإفريقي يجعله عرضة للإملاءات والتدخلات الخارجية.

هذا التناقض بين الخطاب الاستقلالي السيادي والواقع الاقتصادي التبعي يُنتج حالة من الشلل التنفيذي.

4. هل نحن أمام مرحلة “النفوق” أم “إعادة الهيكلة القسرية”؟

رغم وجاهة النقد، فإن الحديث عن “النفوق” الحتمي قد يتجاهل بعض الديناميات المضادة. هناك مسارات براغماتية تُبنى خارج العبث السياسي الكلاسيكي، وتتمثل في:

– التكامل الاقتصادي كبديل للسياسة: مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، مثل خطوط أنابيب الغاز الاستراتيجية التي تسعى لربط إفريقيا ببعضها وبالأسواق العالمية، بالإضافة إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF)، تمثل محاولات لتجاوز الشلل السياسي من خلال خلق مصالح اقتصادية وأمن طاقي وتجاري مشترك يفرض واقعاً جديداً قد يُجبر المؤسسات على إصلاح نفسها.

خلاصة القول، حالة الاختناق المؤسساتي والارتهان السياسي والقانوني الذي تعيشه المنظومات الإفريقية، تحول دون تحول القارة إلى فاعل جيوسياسي متماسك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *