النيابة العامة الفرنسية تفتح 8 تحقيقات قضائية تحت مسمى “إرهاب الدولة” تستهدف ثلاث دول بشكل رئيسي: الجزائر وإيران وروسيا
عبدالقادر كتـــرة
صرح المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا، أوليفييه كريستيان، عبر إذاعة “فرانس إنفو”، أن النيابة العامة فتحت 8 تحقيقات قضائية تحت مسمى “إرهاب الدولة”.
وأشار كريستيان إلى أن 3 من هذه الإجراءات تخص إيران، في حين تستهدف المتبقية بشكل رئيسي كلاً من روسيا والجزائر.
وأوضح القضاء الفرنسي أن هذه التحقيقات لا تتعلق بهجمات تستهدف عموم الشعب الفرنسي (كما كان الحال مع التنظيمات المتطرفة)، بل تتعلق بـ “عمليات سرية واستهداف مباشر للمعارضين السياسيين” المقيمين على الأراضي الفرنسية (مثل قضية الناشط الجزائري المعروف بـ “أمير دي زاد” التي أشارت إليها تقارير أمنية).
من جهته، جاء الرد الجزائري سريعاً في 5 أبريل 2026، حيث نقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن مصدر مأذون في وزارة الخارجية الجزائرية استنكاراً شديداً، واصفة التصريحات بأنها “غير مسؤولة ومتهورة”. واعتبرت الجزائر هذا الاتهام “عدواناً باطلاً” ومحاولة من فرنسا لـ “اختلاق كبش فداء” للتغطية على أزماتها الداخلية، مما يعكس سياقاً فرنسياً “مشحوناً ومسموماً” تجاه الجزائر.
ويعكس هذا التطور تحولاً نوعياً في كيفية تعامل الدول الغربية، وتحديداً فرنسا، مع التهديدات الأمنية، ويمكن قراءته من زاويتين، الأولى التحول من “الإرهاب الكلاسيكي” إلى “القمع العابر للحدود”، حيث لسنوات طويلة، كان تركيز القضاء الفرنسي لمكافحة الإرهاب منصباً على التنظيمات المسلحة (مثل داعش والقاعدة).
الآن، هناك إقرار قانوني وعلني بأن التهديد بات يشمل ما يُعرف بـ “القمع العابر للحدود”، حيث تستخدم دول ذات سيادة أجهزة استخباراتها لتصفية حسابات سياسية مع معارضيها في دول اللجوء.
تاريخياً، كانت أجهزة الاستخبارات (مثل المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية DGSI) تتعامل مع هذه الاختراقات عبر طرد “هادئ” للدبلوماسيين أو الجواسيس لتجنب الأزمات العلنية. خروج المدعي العام للإعلان عن ذلك قضائياً يعني أن السلطات الفرنسية قررت نقل المواجهة من الغرف المغلقة إلى العلن، وهو ما يفسر الغضب الجزائري لاستهداف صورة الدولة دولياً.
سيفرض هذا التوجه على أجهزة الأمن الأوروبية تكثيف جهودها في “مكافحة التجسس” وتأمين حماية شخصية للمعارضين السياسيين الأجانب، وهو ما يمثل عبئاً أمنياً إضافياً.
وقد نشهد تقليصاً أو تجميداً للتعاون الاستخباراتي بين فرنسا وهذه الدول. على سبيل المثال، التعاون الفرنسي-الجزائري في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي قد يتضرر بشدة نتيجة انعدام الثقة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تراكمات سلبية سابقة (تبادل طرد دبلوماسيين، قضايا توقيف صحفيين، وملفات الذاكرة).
هذا الاتهام بـ “إرهاب الدولة” يمثل قطيعة شبه كاملة قد تؤدي إلى تجميد الشراكات الاقتصادية وتعقيد ملف التأشيرات والهجرة بشكل غير مسبوق.
بالنسبة لموسكو وطهران، تضاف هذه التحقيقات إلى سجل طويل من العقوبات والتوترات. الهدف الفرنسي هنا هو بناء مسوغات قانونية قد تُستخدم لاحقاً لمصادرة أصول أو إصدار مذكرات توقيف دولية بحق مسؤولين أمنيين كبار في هذه الدول.
قد تدفع هذه الخطوة دولاً مثل الجزائر إلى تعزيز تحالفاتها السياسية والعسكرية مع قوى الشرق (مثل روسيا والصين) رداً على ما تراه “عداءً مؤسسياً” من الجانب الفرنسي.

