جريمة وحشية لا زاات تطارد نظام العسكر الجزائري: الذكرى 30 لواحدة من أكثر الحوادث المأساوية والغامضة في التاريخ الحديث، تخلد لاختطاف ومقتل رهبان دير “تيبحرين” السبعة

جريمة وحشية لا زاات تطارد نظام العسكر الجزائري: الذكرى 30 لواحدة من أكثر الحوادث المأساوية والغامضة في التاريخ الحديث، تخلد لاختطاف ومقتل رهبان دير “تيبحرين” السبعة

عبدالقادر كتـــرة

أبشع جريمة عرفتها المنطقة ارتكبها النظام العسكري الجزائري الدموي الجبان والتي تمثل جرحاً غائراً من جراح “العشرية السوداء”، ولا يزال تثير الكثير من التساؤلات نظراً لتضارب الروايات وغياب الإجابات القاطعة.

ليلة 26-27 مارس 1996، تم اختطاف سبعة رهبان فرنسيين من “دير تيبحرين” (بالقرب من المدية، جنوب العاصمة الجزائر).

في 21 مايو 1996، أصدرت “الجماعة الإسلامية المسلحة” (GIA) بياناً أعلنت فيه قتل الرهبان بعد فشل مفاوضات مع الحكومة الفرنسية لتبادل أسرى.

في 30 مايو 1996، تم العثور على رؤوس الرهبان فقط مقطوعة، ولم يتم العثور على أجسادهم حتى يومنا هذا.

إن التعقيد في هذه القضية ينبع من وجود ثلاث روايات رئيسية، كل منها تحمل أدلة ظرفية وتواجه تشكيكاً مستمراً. من الناحية التاريخية والقانونية، لا توجد إجابة متفق عليها عالمياً، وتتوزع الاتهامات على ثلابة أطراف.

الرواية التي اعتمدتها السلطات الجزائرية وأيدتها البيانات الصادرة عن الجماعة نفسها بقيادة جمال زيتوني، وذلك بدافع استخدام الرهبان كورقة ضغط على فرنسا للإفراج عن عناصر من الجماعة، وعندما رفضت فرنسا (بقيادة الرئيس جاك شيراك آنذاك) التفاوض، تمت تصفيتهم.

وبرزت هذه الرواية من خلال شهادات لضباط وعناصر استخبارات جزائريين منشقين (مثل عبد القادر تيغة). تدعي هذه الرواية أن دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية) هي من دبرت عملية الاختطاف عبر اختراقها لـ GIA.

ويُعتقد – وفقاً لهذا الطرح – أن الهدف كان إجبار الرهبان على مغادرة المنطقة التي كانت مسرحاً للعمليات العسكرية، أو لدفع فرنسا لدعم الحكومة الجزائرية عسكرياً وسياسياً ضد الإسلاميين. وتقول هذه النظرية إن العملية “خرجت عن السيطرة” وانتهت بمقتل الرهبان.

الطرح الثاني يشير إلى ظهور رواية عام 2009 على لسان الملحق العسكري الفرنسي السابق في الجزائر، الجنرال “فرانسوا بوشفالتر”، والذي زعم أن مروحيات تابعة للجيش الجزائري قصفت بالخطأ معسكراً للمسلحين، مما أدى إلى مقتل الرهبان الذين كانوا محتجزين هناك.

ووفقاً لهذا الادعاء، تم قطع رؤوس الرهبان لاحقاً (بعد موتهم) لتبدو وكأنها عملية إعدام نفذتها الجماعة الإسلامية المسلحة، بهدف التغطية على الخطأ العسكري.

أحد أهم التطورات التي زادت من الغموض، في الطرح الثالث، هو ما كشفت عنه التحقيقات الفرنسية (التي قادها القاضي مارك تريفيديك). في عام 2014، سُمح لفريق فرنسي بفحص جماجم الرهبان في الجزائر.

وخلصت التقارير الطبية إلى أن الوفاة حدثت على الأرجح قبل التاريخ الذي أعلنت فيه GIA إعدامهم، حيث أكد الطب الشرعي أن عملية قطع الرؤوس تمت بعد الوفاة، مما يعزز فرضية محاولة إخفاء السبب الحقيقي للموت (سواء كان رصاصاً أو شظايا أو غيره)، وهذا الاكتشاف أعطى زخماً للروايات التي تشكك في الرواية الرسمية الأولى.

خلاصة القول، إن مأساة رهبان “تيبحرين” هي صورة مصغرة لـ “العشرية السوداء”، حيث اختلط الإرهاب والعمليات المسلحة بالعمليات الاستخباراتية المعقدة، مما جعل الحقيقة الضحية الأولى.

رغم مرور 30 عاماً، تظل القضية أسيرة للتجاذبات السياسية والتاريخية بين فرنسا والجزائر. لكن من الناحية الإنسانية، يُذكر الرهبان السبعة اليوم كرموز للسلام والتعايش؛ فقد اختاروا طوعاً البقاء إلى جانب جيرانهم المسلمين في أحلك الظروف، ورفضوا التخلي عنهم رغم التحذيرات المتكررة والمخاطر المحدقة.

تفاصيل أكثر حول نتائج التحقيقات القضائية الفرنسية التي أُجريت في هذه القضية :

يعتبر التحقيق القضائي الفرنسي في قضية مقتل رهبان “تيبحرين” واحداً من أطول التحقيقات وأكثرها تعقيداً وحساسية، نظراً للتوترات السياسية التي طالما رافقته بين باريس والجزائر.

بدأ التحقيق القضائي الفرنسي رسمياً في أواخر عام 2003، بعد أن تقدمت عائلات اثنين من الرهبان، بالإضافة إلى الأب “أرمان فييو” الذي كان قريباً منهم، بشكوى رسمية بباريس بتهمة “الاختطاف والاحتجاز والقتل في إطار نشاط إرهابي”. جاءت هذه الشكوى للتشكيك في الرواية الرسمية (رواية الجماعة الإسلامية المسلحة GIA) التي اعتبروها مليئة بالثغرات والتناقضات.

شهد التحقيق منعطفاً حاسماً في عام 2009 مع إدلاء الجنرال “فرانسوا بوشفالتر”، الملحق العسكري الفرنسي السابق في السفارة الفرنسية بالجزائر، بشهادة مدوية أمام القضاء.

صرح “بوشفالتر” أنه تلقى معلومات من ضابط جزائري تفيد بأن طائرات مروحية تابعة للجيش الجزائري أطلقت النار بالخطأ على مخيم للإرهابيين، مما أدى إلى مقتل الرهبان الذين كانوا محتجزين هناك.

وأضاف أن عملية “قطع الرؤوس” تم افتعالها لاحقاً للتغطية على هذا الخطأ العسكري وإلصاق التهمة كاملة بالجماعة الإسلامية المسلحة.

بعد سنوات من المفاوضات والعرقلة، سُمح للقاضي الفرنسي المكلّف بالقضية آنذاك، “مارك تريفيديك”، رفقة زميلته “ناتالي بو” وفريق من خبراء الطب الشرعي، بالسفر إلى الجزائر في أكتوبر 2014.

تم استخراج جماجم الرهبان السبعة المدفونة في حديقة دير “تيبحرين”، وأُجريت عليها تحليلات دقيقة (تصوير شعاعي، أخذ عينات من الحمض النووي، دراسة للحشرات والنباتات الملتصقة بها). ورغم رفض السلطات الجزائرية السماح للخبراء الفرنسيين بأخذ العينات معهم إلى فرنسا، إلا أن التقارير التي أُعدت بناءً على تلك الزيارة أسفرت عن نتائج زلزلت الرواية الرسمية.

صدرت تقارير الخبرة الطبية والشرعية في فرنسا لاحقاً بناءً على بيانات زيارة 2014، وخلصت إلى استنتاجات بالغة الأهمية

أثبتت التحليلات (خاصة علم الحشرات الجنائي) أن الرهبان توفوا قبل أسابيع من التاريخ الذي أعلنت فيه (GIA) قتلهم (21 مايو 1996). الخبراء رجحوا أن الوفاة حدثت بين أواخر أبريل وبداية مايو 1996. هذا يعني أن بيان التبني كان متأخراً عن الواقعة بمدة طويلة.

“قطع الرؤوس” تم بعد الوفاة وكان الاكتشاف الأهم. أثبت خبراء التشريح أن آثار القطع على الفقرات العنقية لا تحمل أي علامات على “تفاعل حيوي”، مما يعني بشكل قاطع أن الرؤوس فُصلت عن الأجساد بعد أن فارق الرهبان الحياة، وليس كطريقة للإعدام.

هذا يثبت نظرية “الافتعال” أو “التغطية” على طريقة الوفاة الحقيقية وإخفاء الجثث (التي لم يُعثر عليها أبداً).

لم يجد الخبراء أي آثار لطلقات نارية أو شظايا على الجماجم المتبقية. هذا يعني أنه إذا كان الرهبان قد قُتلوا بالرصاص (سواء من مروحية أو في اشتباك)، فإن الإصابات كانت في أجسادهم التي تم إخفاؤها عمداً.

أدى التحقيق الفرنسي بشكل فعال إلى “نسف” الرواية الرسمية القائلة بأن الجماعة الإسلامية المسلحة أعدمت الرهبان بقطع رؤوسهم يوم 21 مايو.

ومع ذلك، لم يتمكن التحقيق من تحديد الهوية القاطعة للقتلة أو الطريقة الفعلية للموت (بسبب غياب الأجساد).

لا يزال التحقيق مفتوحاً في فرنسا، ولكنه يواجه عقبة كأداء تتمثل في “أسرار الدفاع”. فقد طالبت عائلات الضحايا والقضاة مراراً برفع السرية عن وثائق المخابرات الفرنسية والجزائرية في تلك الفترة، إذ يُعتقد أن هناك مسؤولين في أجهزة الاستخبارات لكلا البلدين يمتلكون الحقيقة الكاملة لما جرى، لكن الأسباب السياسية والأمنية تمنع خروجها إلى العلن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *