الرئيس الأمريكي يطلب من الدول المتأثرة بإغلاق إيران لمضيق هرمز، بإرسال سفن حربية، والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، لإبقاء المضيق مفتوحاً وآمناً
عبدالقادر كتـــرة
جاء في تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
“العديد من الدول، وخاصة تلك المتأثرة بمحاولة إيران إغلاق مضيق هرمز، ستقوم بإرسال سفن حربية، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، لإبقاء المضيق مفتوحاً وآمناً. لقد دمرنا بالفعل 100% من القدرات العسكرية الإيرانية، ولكن من السهل عليهم إرسال طائرة مسيرة أو طائرتين، أو إسقاط لغم، أو إطلاق صاروخ قصير المدى في مكان ما على طول هذا الممر المائي أو داخله، بغض النظر عن مدى هزيمتهم. نأمل أن تقوم الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وغيرها من الدول المتأثرة بهذا القيد المصطنع، بإرسال سفن إلى المنطقة بحيث لا يعود مضيق هرمز يشكل تهديداً من قبل أمة تم تدمير قيادتها بالكامل. في غضون ذلك، ستقوم الولايات المتحدة بقصف الساحل بشدة، وإطلاق النار باستمرار على القوارب والسفن الإيرانية لإخراجها من المياه. بطريقة أو بأخرى، سنجعل مضيق هرمز قريباً مفتوحاً، وآمناً، وحراً! الرئيس دونالد ج. ترامب”
مضيق هرمز هو أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، حيث يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط تقريباً. أي محاولة لإغلاقه تؤثر فوراً على أسواق الطاقة العالمية والاقتصادات الكبرى.
يدعو ترامب إلى تشكيل تحالفات دولية لحماية الملاحة. تاريخياً، دعت الولايات المتحدة إلى تشكيل مبادرات مثل “التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية” لضمان حرية المرور التجاري في الممرات المائية بالشرق الأوسط.
أشار الرئيس الأمريكي إلى تدمير 100% من القدرات العسكرية” و”أمة تم تدمير قيادتها بالكامل” هي أدوات بلاغية تهدف إلى تأكيد الهيمنة المطلقة وردع الخصم، وتوجيه رسالة طمأنة للداخل بأن التفوق العسكري محسوم.
ويطالب القوى العالمية (مثل الصين وأوروبا واليابان) بتحمل تكاليف حماية مصالحها الاقتصادية. الرسالة هنا هي أن الولايات المتحدة لن تقوم بدور “شرطي العالم” بمفردها لحماية نفط يذهب في معظمه إلى دول أخرى.
لكن رغم إعلان النصر الساحق، يعترف ترامب بواقعية العمل العسكري؛ إذ يشير إلى أن تدمير الجيوش النظامية لا يمنع التهديدات الصغيرة والمؤثرة مثل (الألغام، الطائرات المسيرة، الزوارق السريعة)، وهي أساليب تُعرف بها الاستراتيجية البحرية في تلك المنطقة.
يعكس منشور رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نهج “الضغوط القصوى” الذي يعتمد على التهديد بالقوة العسكرية الساحقة والضغط الاقتصادي والدبلوماسي.
من زاوية التواصل السياسي، يمزج التصريح بين الترهيب العسكري الشديد (“قصف الساحل بشدة”) والدعوة الدبلوماسية لتدخل الحلفاء. يُظهر هذا الخطاب كيف تُستخدم التصريحات المباشرة لتوجيه رسائل متعددة الأبعاد: إنذار شديد اللهجة للخصم، دعوة للحلفاء لتحمل المسؤولية، وتأكيد على أولوية استقرار أسواق الطاقة العالمية (“مفتوحاً، وآمناً، وحراً”).
يُعد مضيق هرمز من أهم “نقاط الاختناق” الجيوسياسية والاقتصادية في العالم، ولا يقتصر دوره على كونه ممراً ملاحياً، بل يمثل الشريان الأساسي الذي يغذي الاقتصاد العالمي بالطاقة.
تكمن الأهمية القصوى للمضيق في حجم الطاقة التي تعبر مياهه يومياً، والتي لا يمكن تعويضها بسهولة، حيث يمر عبر المضيق ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل حوالي 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية.
ويعبر المضيق حوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ومعظمها يأتي من دولة قطر (أحد أكبر مصدري الغاز في العالم). أي تعطل هنا يضرب أسواق الغاز، خاصة في أوروبا وآسيا، في مقتل.
أما الخطورة الاقتصادية الكبرى لمضيق هرمز فتنبع من افتقار السوق لشبكات بديلة قادرة على استيعاب هذه التدفقات الضخمة في حال إغلاقه:
توجد بعض الخطوط التي تتجاوز المضيق، مثل خط أنابيب “شرق-غرب” في السعودية، وخط أنابيب “أدكوب” (حبشان-الفجيرة) في الإمارات.
وحتى لو اشتغلت هذه الأنابيب بطاقتها القصوى، فإنها لا تستطيع نقل سوى جزء بسيط (حوالي 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً كطاقة فائضة) من إجمالي النفط الذي يمر عبر المضيق، مما يعني أن ملايين البراميل ستظل حبيسة في الخليج، مما سيخلق عجزاً هائلاً في المعروض العالمي.
الأسواق تتفاعل مع المضيق بآليتين اقتصاديتين رئيسيتين، أولهما. المخاطر، إذ مجرد التهديد الأمني أو التصريحات الجيوسياسية المتوترة في المنطقة يضيف فوراً دولارات إضافية على سعر برميل النفط تحسباً لأي انقطاع.
ثانيتهما، التضخم المدفوع بالتكلفة، إذ في حال حدوث إغلاق فعلي أو إعاقة ممتدة للملاحة، ستقفز أسعار النفط بشكل جنوني. هذا الارتفاع سيترجم فوراً إلى زيادة في تكاليف النقل، والشحن، والتصنيع حول العالم، مما يغذي موجات تضخمية تضرب الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء، وقد تدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي .
يوضح مسار تدفقات المضيق خريطة المصالح الجيوسياسية الحديثة:
– الاعتماد الآسيوي: أكثر من 80% من النفط العابر للمضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية (الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية). هذا الاعتماد الكثيف يجعل الأمن الطاقي لهذه القوى الصناعية الكبرى مرهوناً باستقرار هذا الممر الجغرافي الصغير.
– التحول الأمريكي: مع الطفرة في إنتاج النفط الصخري، تراجع الاعتماد الأمريكي المباشر على نفط الخليج مقارنة بالعقود الماضية. هذا التحول الاقتصادي هو ما يفسر الخطاب السياسي الذي يطالب الدول المستفيدة (كآسيا وأوروبا) بتقاسم أعباء التكلفة العسكرية لحماية المضيق، بدلاً من تحمل واشنطن للفاتورة منفردة.
خلاصة القول، إن فهم مضيق هرمز من منظور الاقتصاد الدولي يؤكد أنه ليس مجرد نقطة عبور، بل أداة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى والتأثير على السياسات النقدية والمالية للدول في كافة القارات.

