الدِّرْهَمُ المَغْرِبِيُّ كَالدُّولَارِ الْأَمْرِيكِيِّ وَالْيُورُو، فِي قَلْبِ إِفْرِيقْيَا: اعْتِرَافٌ دَوْلِيٌّ بِقُوَّةِ الِاقْتِصَادِ الوَطَنِيِّ…. كَيْفَ كَرَّسَ البَنْكُ الإِفْرِيقِيُّ لِلتَّنْمِيَةِ الرِّيَادَةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ لِلْمَغْرِبِ؟
عبدالقادر كتـــرة
في خطوة غير مسبوقة تحمل في طياتها دلالات اقتصادية وجيوسياسية عميقة، أعلن البنك الإفريقي للتنمية إدراج الدرهم المغربي ضمن عملاته المعتمدة في معاملاته الدولية، ليقف ندا إلى جانب العملات المرجعية الكبرى كالدولار الأمريكي واليورو.
ليس هذا الإجراء مجرد قرار تقني أو تحيين للوائح مؤسسة مالية مانحة، بل هو شهادة ثقة عظمى وتتويج لمسار طويل من حسن التدبير الذي جعل من المغرب قوة اقتصادية ضاربة في عمق قارته اسمراء.
الدرهم.. عملة تنطق بلغة الثقة الماكرو-اقتصادية
لم يأت قبول مؤسسة تتمتع بأعلى التصنيفات الائتمانية العالمية (AAA) إصدار سندات بالعملة المغربية من فراغ. إنه انعكاس مباشر للمتانة الماكرو-اقتصادية التي أبان عنها الاقتصاد المغربي في مواجهة أشد الأزمات العالمية، من جوائح وتقلبات سوقية، وصولا إلى التضخم المستورد.
لقد نجح المغرب بفضل سياسة نقدية حصيفة، يقودها بنك المغرب باستقلالية ورؤية استباقية، في الحفاظ على قيمة عملته وجاذبيتها، مما جعلها ملاذا آمنا للتمويلات الدولية الموجهة نحو إفريقيا. ويعني هذا القرار بشكل مباشر تقليص مخاطر الصرف التي كانت تثقل كاهل الفاعلين الاقتصاديين المحليين عند لجوئهم للاقتراض بالعملة الصعبة، مما يفتح آفاقا أوسع لتمويل مشاريع البنية التحتية بكلفة أقل، ويحافظ على رصيد المملكة من النقد الأجنبي.
ترجمة عملية للرؤية الملكية نحو العمق الإفريقي
وراء لغة الأرقام والسندات، يبرز هذا التطور النجاح الباهر للزخم الدبلوماسي والاقتصادي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس منذ عقود نحو إفريقيا. لقد رسخ المغرب نفسه، ليس فقط كشريك سياسي موثوق، بل كبوابة عبور حصرية (Hub) نحو السوق الإفريقية. ومن خلال تحويل الدار البيضاء إلى قطب مالي قاري (القطب المالي للدار البيضاء)، أضحت المملكة منصة تتقاطع فيها مصالح المستثمرين الدوليين مع طموحات التنمية الإفريقية.
إن اعتماد الدرهم من البنك الإفريقي للتنمية يكرس الدور الريادي للمغرب في بناء هيكل مالي إفريقي مستقل وقوي، ويؤسس لمرحلة تكون فيها العملات المحلية الإفريقية قادرة على تمويل تنمية القارة بعيدا عن الارتهان الكلي للعملات الأجنبية.
رسالة حسم للمشككين وتعزيز للسيادة المالية في بيئة جيوسياسية إقليمية معقدة، لا يمكن قراءة هذا الإنجاز خارج سياقه الردعي ضد كل محاولات التشويش. فالإقبال على سندات سبعية (لمدة 7 سنوات) بالدرهم يعني أن المستثمرين الدوليين يراهنون على استقرار المغرب للمدى المتوسط والطويل، ويفند عمليا، بلغة السوق التي لا تحابي أحدا، كل الادعاءات اليائسة التي تحاول النيل من صورة الاقتصاد المغربي. هو إعلان صريح بأن السيادة النقدية للمملكة تتقوى، وأن جدار الصد المالي للمغرب يتسع ليغطي مساحات استراتيجية جديدة في إفريقيا.
ختاما، لم يعد الدرهم المغربي مجرد أداة للتداول الداخلي، بل بات سفيرا نقديا يحمل ختم الثقة والاستقرار في قارة تتعطش للنماذج الناجحة.
هذا الاختراق المالي يعكس حقيقة حتمية مفادها أن المغرب لم يعد فقط مشاركا في التنمية الإفريقية، بل أصبح مهندسا رئيسيا لها، يرسم معالم مستقبل تتحرر فيه إفريقيا من التبعية، بقيادة مغربية تجمع بين شرافة الرؤية وصلابة الإنجاز على أرض الواقع.

