الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْهَادِئَةُ وَصِنَاعَةُ الِاسْتِقْرَارِ.. كَيْفَ هَنْدَسَ الْمَغْرِبُ دَوْرَهُ الْمِحْوَرِيَّ فِي الْأَزْمَةِ اللَّيْبِيَّةِ؟
عبدالقادر كتـــرة
تُعد كلمة صدام حفتر (بتكليفه أو بصفته القيادية البارزة في المؤسسة العسكرية والأمنية بشرق ليبيا) محطة سياسية وأمنية ذات دلالات عميقة.
إن عقد الاجتماع الإقليمي رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب في مدينة بنغازي بحد ذاته رسالة استراتيجية كبرى، تجاوزت الباب البروتوكولي لتلامس صلب معادلة الصراع والنفوذ في ليبيا وشمال إفريقيا:
وجاء في كلمته على صفحته الفيسبوكية: “من قلب بنغازي، قاهرة الإرهاب، المدينة التي واجهت أخطر التحديات، وقدّمت التضحيات دفاعًا عن كرامتها وأمن الوطن، شاركتُ اليوم في أعمال الاجتماع الإقليمي رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، في لقاء يحمل رمزية خاصة، إذ تجتمع على أرض هذه المدينة القيادات الأمنية والاستخباراتية من مختلف دول العالم لمواجهة التهديدات المشتركة.
إن التداخل المتنامي بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وما يفرضه من تحديات عابرة للحدود، يستدعي رؤية أمنية متكاملة تقوم على التنسيق الاستخباراتي، وتبادل المعلومات، واستباق التهديدات قبل وقوعها، بما يحفظ أمن الدول واستقرارها.
نؤكد دعمنا الراسخ لجهاز المخابرات الليبية، وحرصنا على تطوير قدراته، وتأهيل كوادره، وتعزيز شراكاته الإقليمية والدولية، إيمانًا بأن العمل الاستخباراتي يمثل ركيزة أساسية للأمن الوطني، وضمانة لصون سيادة الدولة ومصالحها العليا.
كما نثمّن جهود جهاز المخابرات الليبية، وتعاونه المثمر مع المملكة المغربية الشقيقة في تنظيم هذا المحفل، ونقدّر المشاركة الرفيعة لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ورؤساء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والوفود الدولية، بما يعكس أهمية هذا اللقاء في توسيع آفاق التعاون وتبادل الخبرات.
إن احتضان بنغازي لهذا الاجتماع، بعد ما شهدته من معارك وتضحيات في مواجهة الإرهاب، يجسد تحولها من ساحة لمواجهة التهديدات إلى ملتقى لتنسيق الجهود الدولية للتصدي لها، ويعكس دور ليبيا في منظومة الأمن الإقليمي، ويؤكد التزامنا الراسخ بحماية أمننا الوطني، والإسهام الفاعل في استقرار محيطنا الأفريقي، انطلاقًا من قناعتنا بأن أمن الدول مسؤولية مشتركة، وأن ما تحقق بالتضحيات تصونه اليقظة، وتعززه الشراكات، وتحميه الإرادة الوطنية.”
تتقاطع في الخريطة الليبية خطوط صراع معقدة، تداخلت فيها الأجندات الإقليمية والدولية مع شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب.
وفي خضم هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات، لطالما برزت المملكةالمغربية كفاعل استثنائي؛ لا يسعى إلى فرض الوصاية ولا ينجر خلف حسابات الاستقطاب الضيق، بل يتبنى مقاربة قائمة على الحياد الإيجابي، والوساطة المبنية على الثقة، والحلول الليبية الخالصة.
من اتفاق “الصخيرات” التاريخي مروراً بمحطات “بوزنيقة” و”طنجة”، وصولاً إلى الحضور الفاعل في التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، يرسم التقرير التالي ملامح الدور المغربي المتفرد في الأزمة الليبية، وكيف نجحت الرباط في نسج خيوط الدبلوماسية الأمنية والسياسية وسط حقول الألغام.
أولاً: محطات تاريخية فارقة.. حين تحولت الرباط إلى قبلة للحوار الليبي
لم يكن الدور المغربي وليد اللحظة أو وليد مصالح ظرفية، بل استند إلى رصيد تاريخي من الود المشترك والحياد الدبلوماسي.
ويمكن رصد أبرز المحطات التي طبعت هذه الوساطة كالتالي:
1- محطةالصخيرات (ديسمبر 2015): تشكل اتفاقية الصخيرات المحطة الأبرز في مسار التسوية الليبية؛ فبرعاية مغربية خالصة، وتحت ضغط دبلوماسي هادئ، التأم الشمل الليبي في المدينة الساحلية المغربية لإنتاج “المجلس الرئاسي” وحكومة الوفاق الوطني، ووضع أول إطار شرعي معترف به دولياً لتوحيد مؤسسات البلاد المنقسمة. ورغم تعثر التطبيق اللاحق بسبب التدخلات الخارجية، إلا أن “الصخيرات” ظلت المرجعية الأساسية التي لا يمكن لأي مسار سياسي لاحق تجاهلها.
2- لقاءاتبوزنيقةومسارتوحيدالمؤسساتالسيادية (2020): في مرحلة حرجة اتسمت بانقسام مؤسساتي حاد، استضافت مدينة بوزنيقة المغربية جولات مكثفة من الحوارات بين وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. أثمرت هذه اللقاءات عن تفاهمات تاريخية حول معايير ومواساة شغل المناصب السيادية (المادة 15 من الاتفاق السياسي)، مما أثبت قدرة الدبلوماسية المغربية على خلق فضاءات حوار وطني بعيدة عن ضجيج السلاح والكاميرات.
3- الدبلوماسيةالبرلمانيةوالاجتماعيةفي طنجة: لعبت مدينة طنجة دوراً محورياً في جمع أعضاء مجلس النواب الليبي من مختلف التوجهات في مؤتمر استثنائي وحد الصف التشريعي وأسهم بشكل مباشر في التمهيد لتوحيد البرلمان الليبي وعقد جلسات منح الثقة للحكومات المتعاقبة في مدينة سرت وبنغازي.
ثانياً: دبلوماسية “الجسور المفتوحة”.. كيف توازن الرباط بين الشرق والغرب؟
تتجلى عبقرية المقاربة المغربية في قدرتها النادرة على الحفاظ على خيوط الوصل مع جميع الفرقاء الليبيين دونىاستثناء؛ فالرباط تقيم علاقات مؤسساتية رصينة وشفافة مع الأطراف والجهات الرسمية في العاصمة طرابلس، وفي نفس الوقت تبني شراكات استراتيجية وأمنية متقدمة مع القيادات والمؤسسات في شرق البلاد وجنوبها.
– فصل السياسي عن الأمني: تعاملت المملكة مع ليبيا بمنطق الدولة الشقيقة التي يعنيها استقرار محيطها المغاربي برمته، مفضلةً عدم الانحياز لطرف ضد آخر، ومبقيةً أبوابها مفتوحة أمام كل من يطلب الدعم لتوحيد المؤسسات أو تقريب وجهات النظر.
– غياب الأجندات التوسعية: على عكس بعض القوى الإقليمية التي سعت إلى توظيف الأزمة الليبية لتحقيق مكاسب جيوستراتيجية أو اقتصادية ضيقة، التزم المغرب بمبدأ “أن ليبيا لليبيين”، مما منح تحركاته مصداقية كبرى جعلت الأطراف المتنازعة تلجأ إلى الوساطة المغربية بوصفها الملاذ الأكثر نزاهة وموضوعية.
ثالثاً: البعد الأمني والاستراتيجي.. من الحوار السياسي إلى مكافحة الإرهاب
لم يعد الدور المغربي محصوراً في أروقة الدبلوماسية السياسية التقليدية، بل تطور تدريجياً ليشمل الدبلوماسيةالأمنية، إدراكاً من الرباط بأن الاستقرار السياسي يظل هشاً ما لم يتم تحصينه ضد مخاطر الإرهاب، والجريمة المنظمة، وشبكات التهريب العابر للحدود التي تتخذ من الفراغات في الصحراء الكبرى مسرحاً لها.
ويظهر هذا التحول بوضوح في الدعم المستمر الذي تقدمه الرباط لتطوير وبناء قدرات المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الليبية، وتبادل الخبرات لمواجهة التهديدات المشتركة – ويتجسد ذلك عملياً في الترحيب والاحتفاء المستمر بالدور المغربي في التنسيق الأمني، والتعاون الوثيق مع مختلف الأجهزة الأمنية في الشرق والغرب لتأمين الاستقرار الإقليمي ومحاصرة بؤر التطرف.
رابعاً: أفق المستقبل.. لماذا تظل مقاربة المغرب ضرورة حتمية لليبيا؟
في ظل استمرار حالة السيولة السياسية والتجاذبات الدولية والإقليمية حول الملف الليبي، تثبت التجربة أن المقاربة المغربية تظل هي الأقرب للواقع والأكثر استدامة. إن التركيز على بناء المؤسسات، واحترام سيادة الدولة، وإبعاد التدخلات الأجنبية، وربط التنمية بالأمن، هي الأركان التي تحتاجه ليبيا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن الرهان المغربي على ليبيا مستقر وموحد ليس رهاناً عابراً، بل هو التزام استراتيجي بقضايا الفضاء المغاربي والأمن الإفريقي؛ فكل خطوة نحو الاستقرار في طرابلس أو بنغازي هي لبنة إضافية في صرح أمن المنطقة بأسرها.

