مُتَلَازِمَةُ الْمُؤَامَرَةِ وَسُقُوطُ سَرْدِيَّةِ “الْعَدُوِّ الْوَهْمِيِّ”: حِينَ تَتَحَوَّلُ رُدُودُ الْأَفْعَالِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى سِيَاسَةِ دَوْلَةٍ فِي الْجَزَائِرِ، وَالتَّكْلِفَةُ الْبَاهِظَةُ لِقَرَارَاتِ قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ الِارْتِجَالِيَّةِ

مُتَلَازِمَةُ الْمُؤَامَرَةِ وَسُقُوطُ سَرْدِيَّةِ “الْعَدُوِّ الْوَهْمِيِّ”: حِينَ تَتَحَوَّلُ رُدُودُ الْأَفْعَالِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى سِيَاسَةِ دَوْلَةٍ فِي الْجَزَائِرِ، وَالتَّكْلِفَةُ الْبَاهِظَةُ لِقَرَارَاتِ قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ الِارْتِجَالِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في أبجديات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تُبنى سياسات الدول على العقلانية، استشراف المستقبل، وحساب المآلات. غير أن تتبع مسار الدبلوماسية الجزائرية وإدارتها للأزمات في السنوات الأخيرة، يكشف عن مفارقة غريبة؛ حيث تخلت مؤسسة القرار عن “الحكمة الدبلوماسية” لصالح “ردود الأفعال الانفعالية”، محولة تسيير الدولة إلى سلسلة من المهاترات والسقطات التي تُدفع فاتورتها من رصيد البلاد إقليمياً ودولياً.

إن المتابع لسلوك النظام العسكري الجزائري يلاحظ اعتماداً مفرطاً على استراتيجية “الهروب إلى الأمام”.

فكلما اشتد الخناق الداخلي أو لاحت أزمة هيكلية في الأفق، يتم اللجوء فوراً إلى اختلاق أزمات خارجية، في محاولة بائسة لتصدير الفشل وصناعة اصطفاف شعبي زائف حول وهم “الخطر الخارجي الداهم”.

صناعة الأزمات وهاجس “المؤامرة”

لم يعد سراً أن قصر المرادية يعاني من “متلازمة المؤامرة”. تحولت هذه المتلازمة إلى عدسة وحيدة تُقرأ من خلالها كل الأحداث، سواء كانت جيوسياسية كبرى أو حتى منافسات رياضية عادية.

أحدث سقطات هذا النهج تجلت في محاولة توريط الجارة تونس في قضايا وهمية تتعلق بتسلل مهاجرين، وهي الخطوة التي ارتدت عكسياً على صناعها.

الاندفاع نحو اتهام دول الجوار دون أدلة ملموسة، ثم العجز عن تقديم أي إثباتات حين تطالب بها الأطراف المعنية (كما حدث مع السلطات التونسية)، يكشف عن هشاشة الرواية الرسمية.

هذا الارتجال لا يضرب فقط مصداقية الأجهزة التي تروج له، بل ينسف ما تبقى من ثقة لدى دول الجوار التي باتت تنظر إلى هذه التحركات كتهديد لاستقرار المنطقة ككل.

دبلوماسية الانفعال وتآكل التحالفات

إن أخطر ما يواجه الجزائر اليوم ليس أعداءها المفترضين، بل قراراتها غير المحسوبة. لقد أثبتت السنوات القليلة الماضية أن الردود الانفعالية أصبحت القاعدة لا الاستثناء.

رأينا ذلك في القطيعة الأحادية واللامنطقية مع المغرب، ثم في الأزمة الدبلوماسية والاقتصادية المجانية مع إسبانيا لمجرد اتخاذها موقفاً سيادياً لا يوافق هوى جنرالات الجزائر، وصولاً إلى توتير العلاقات مع مالي ودول الساحل، بل وحتى افتعال أزمات صامتة مع دول عربية وازنة.

هذا التخبط الدبلوماسي، الذي تقوده عقيدة عسكرية جامدة، حوّل الجزائر من دولة فاعلة في محيطها إلى دولة تبحث عن ردود أفعال ثأرية.

النتيجة الحتمية لهذه “الهرطقات الدبلوماسية” هي عزلة متزايدة، حيث تجد الجزائر نفسها اليوم محاطة بحدود ملتهبة وعلاقات متوترة مع أغلب جيرانها، مما يعكس غياباً تاماً لأي تفكير استراتيجي في تبعات المدى الطويل.

إدارة الفشل بسياسة “كبش الفداء”

حين تصطدم هذه الروايات الانفعالية بحائط الواقع، وتتكشف السقطات أمام الرأي العام الداخلي والدولي، يلجأ النظام إلى حيلة قديمة ومكشوفة: التضحية بالبيادق.

إن التعديلات الحكومية المفاجئة، والإقالات الليلية للمسؤولين الأمنيين أو الوزراء (ولعل إبعاد مسؤولين عن مناصبهم مؤخراً فور افتضاح السرديات الأمنية خير دليل)، ليست سوى مسرحيات سياسية لامتصاص الغضب وإخلاء مسؤولية القيادة العليا.

هذه التنقيلات لا تمثل محاسبة حقيقية أو تصحيحاً للمسار، بل هي محاولة يائسة لاحتواء الكوارث التي تسبب فيها الارتجال، وتغطية على حقيقة أن الخلل ليس في الأشخاص، بل في بنية النظام نفسها التي تكافئ الولاء الأعمى على حساب الكفاءة.

فاتورة باهظة يدفعها الشعب

في الوقت الذي تُهدر فيه الطاقات الدبلوماسية ومقدرات البلاد المالية في معارك طواحين الهواء وشراء ذمم اللوبيات لمعاكسة دول الجوار، يستمر المواطن الجزائري في الوقوف في طوابير المواد الأساسية.

إن السقطات المتتالية للنظام العسكري ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي نزيف مستمر لمكانة دولة تمتلك كل المقومات لتكون قوة إيجابية في منطقتها، لولا ارتهانها لعقلية تدير الدولة بعقلية الثكنة.

في الختام، إن استمرار النظام الجزائري في تبني سياسة الانفعال والمهاترات لن يغير من حقائق الجغرافيا السياسية شيئاً، ولكنه بالتأكيد سيسرع من تآكل ما تبقى من شرعيته. الدول لا تُبنى بالأوهام والمؤامرات، والدبلوماسية لا تُدار بالانفعالات العصبية.

وما لم تحدث مراجعة جذرية تعيد للعقلانية مكانتها في صناعة القرار، فإن هذه السقطات ستستمر في جر البلاد نحو عزلة أعمق، يدفع ثمنها الأكبر الشعب الجزائري واستقرار المنطقة المغاربية برمتها.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *