الأُمَّمُ الْمُتَّحِدَةُ تَحْسِمُ مَسَارَ الصَّحْرَاءِ: اِنْتِصَارٌ مَغْرِبِيٌّ كَاسِحٌ وَعُزْلَةٌ جَزَائِرِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ… رَصَاصَةُ الرَّحْمَةِ عَلَى “الْاِسْتِفْتَاءِ”: اَللَّجْنَةُ الرَّابِعَةُ تَقْبِرُ أَحْلَامَ الِانْفِصَالِ وَتُكَرِّسُ الْحُكْمَ الذَّاتِيَّ
عبدالقادر كتـــرة
في تطور دبلوماسي حاسم يعكس تحولاً جذرياً في التعاطي الدولي مع ملف الصحراء المغربية، وجهت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة ضربة قاضية لأطروحة الانفصال، عبر اعتمادها قراراً تاريخياً بأغلبية ساحقة بلغت 152 صوتاً.
هذا التصويت، الذي جاء في سياق استثنائي، لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل شكل مرآة عاكسة لثلاث حقائق جيوسياسية ساطعة: نجاح الدبلوماسية المغربية في فرض واقعيتها، العزلة الخانقة التي تعيشها الدبلوماسية الجزائرية، والتبديد النهائي لأوهام جبهة “البوليساريو”.
المغرب.. شرعية تتكرس وواقعية تنتصر
لم يعد الدعم الدولي لمغربية الصحراء يقتصر على التصريحات الثنائية، بل تُرجم اليوم إلى إجماع أممي مؤسساتي.
الإنجاز الأبرز في قرار اللجنة الرابعة هو التناغم التام، ولأول مرة بهذا الوضوح، مع مخرجات مجلس الأمن، وتحديداً القرار التاريخي رقم 2797.
لقد نجح المغرب في توحيد لغة الأمم المتحدة؛ فلم تعد هناك فجوة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن.
الأسرة الدولية اليوم تتحدث بصوت واحد وتدعم حلاً واحداً: “المبادرة المغربية للحكم الذاتي” كإطار وحيد، واقعي، وجدي تحت السيادة المغربية.
والأكثر من ذلك، انتقل المنتظم الدولي من مناقشة “طبيعة الحل” إلى التنويه بـ “الوضع المتقدم للحكم الذاتي” الذي قدمه المغرب في جولات المفاوضات الأخيرة في واشنطن ومدريد.
هذا يعني أن قطار التسوية النهائية قد انطلق فعلياً، والمغرب يقوده بثبات وثقة نحو طي هذا النزاع المفتعل، متسلحاً بأغلبية 152 دولة تدعم هذا المسار السلمي والعملي.
الجزائر.. عزلة دولية وانكشاف دبلوماسي
في مقابل الانتصار المغربي، كشف جهاز التصويت في الأمم المتحدة عن حجم العزلة التي يعاني منها النظام الجزائري دولياً.
فأن يقف صوت واحد إلى جانب الجزائر ضد إرادة 152 دولة، هو إعلان رسمي عن إفلاس الآلة الدبلوماسية للجزائر التي طالما استنزفت مقدرات شعبها في سبيل الترويج لأطروحة ولدت ميتة.
الضربة الموجعة للجزائر في هذا القرار لم تقتصر على لغة الأرقام، بل شملت التوصيف القانوني.
لقد جدد القرار التأكيد على صيغة “الأطراف الأربعة”، داعياً إياهم بالاسم (المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو) للانخراط بحسن نية في العملية السياسية.
هذه الصياغة تسقط بشكل نهائي قناع “البلد الملاحظ” الذي حاولت الجزائر الاختباء خلفه لعقود، وتضعها أمام مسؤولياتها كطرف رئيسي ومباشر في افتعال وإدامة هذا النزاع الإقليمي. لقد فقدت الجزائر مساحتها المفضلة للمناورة (اللجنة الرابعة)، وباتت مطالبة من طرف المجتمع الدولي بالجلوس إلى الموائد المستديرة دون شروط مسبقة.
البوليساريو.. رصاصة الرحمة على وهم “الاستفتاء”
بالنسبة لجبهة البوليساريو، يمثل هذا القرار نهاية الطريق ويقظة قاسية من سبات الأوهام. لقد خلا النص الأممي تماماً من أي إشارة إلى مصطلحات تجاوزها الزمن من قبيل “الاستفتاء” أو “الاستقلال”.
وبدلاً من ذلك، كرس القرار معجماً سياسياً واضحاً يرتكز على “الواقعية”، و”البراغماتية”، و”التوافق”.
هذا المعجم الأممي الحديث ينسف الأساس الإيديولوجي الذي بنيت عليه الجبهة الانفصالية، ويؤكد لها ولرعاتها أن المجتمع الدولي لا يلتفت إلى الكيانات الوهمية التي تعيش خارج مسار التاريخ.
فبينما يواصل المغرب تنمية أقاليمه الجنوبية بمشاريع استراتيجية ضخمة وبنية تحتية عالمية، تجد قيادة البوليساريو نفسها معزولة في مخيمات تفتقد لأبسط مقومات الحياة، عاجزة عن تسويق وهم الانفصال حتى لأتباعها، بعد أن سحب المنتظم الدولي البساط من تحت أقدامها بشكل نهائي.
خلاصة القول، إن تصويت اللجنة الرابعة ليس مجرد انتصار دبلوماسي عابر، بل هو تتويج لمسار طويل من الدبلوماسية الملكية الهادئة والحازمة.
لقد حسم العالم موقفه واختار الوقوف إلى جانب الشرعية والتنمية والاستقرار الذي يمثله المغرب، تاركاً خصوم الوحدة الترابية في مواجهة عزلتهم وتناقضاتهم. ملف الصحراء يقترب من نهايته المنطقية، والتاريخ يكتب اليوم بوضوح: الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، بقرار سيادي وإجماع دولي.
“الأمم المتحدة..اللجنة الرابعة تعتمد قرارا يكرس القرار التاريخي رقم 2797 لمجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية
■الأمم المتحدة (نيويورك) 15 أكتوبر 2026 (ومع) اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الخميس، قرارها السنوي بشأن قضية الصحراء المغربية، بـ 152 صوتا لصالح القرار، من بينها صوت المغرب، مقابل صوتين ضد، وسبع امتناعات عن التصويت.
ويتم عادة اعتماد مشروع هذا القرار، الذي قدمه الرئيس السنغالي للجنة الرابعة، دون تصويت، وفقا لممارسة توافقية معمول بها منذ سنة 2006.
إلا أن النص خضع هذه السنة، بشكل استثنائي، لعملية تصويت بناء على طلب تقدمت به بعثة الولايات المتحدة الأمريكية في آخر لحظة، وشمل كافة مشاريع القرارات الـ23 المعروضة على أنظار اللجنة الرابعة دون استثناء، بما فيها تلك التي تعتمد عادة بالتوافق أو دون تصويت.
وتعكس هذه الخطوة الأمريكية توجه وزارة الخارجية الأمريكية الرامي إلى فرض التصويت على جميع قرارات اللجان الست الرئيسية للجمعية العامة دون أي استثناء، بما في ذلك القرارات المتعلقة بقضايا الأمن ونزع السلاح، والتنمية المستدامة، والشؤون الإنسانية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى القضايا القانونية وميزانية الأمم المتحدة.
وصوت المغرب لصالح هذا النص، إلى جانب 151 دولة عضو أخرى في الأمم المتحدة، وذلك لعدة لأسباب:
أولا: يؤكد هذا القرار الصادر عن اللجنة الرابعة القرار التاريخي رقم 2797 لمجلس الأمن، والذي كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي كأساس للحل في إطار السيادة المغربية. كما يجدد هذا القرار التأكيد على مسؤولية الأطراف الأربعة (المغرب، الجزائر، موريتانيا، و”البوليساريو”)، ويدعوها إلى الانخراط بحسن نية في العملية السياسية.
وتكتسي الإشارة إلى القرار 2797 أهمية خاصة، لكون اعتماده في 31 أكتوبر 2025 جاء عقب المناقشة السنوية لقضية الصحراء المغربية من طرف اللجنة الرابعة، مما أتاح أخده بعين الاعتبار لأول مرة في القرار الذي تم اعتماده صباح اليوم.
ثانيا: يطابق هذا القرار القرارات المعتمدة منذ عشرين سنة. فهو لم يأت بأي عنصر جديد باستثناء الإشارة الهامة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797.
ثالثا: يدعم هذا القرار العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، تحت رعاية هذا الأخير، بهدف التوصل إلى حل سياسي واقعي، وبراغماتي، ودائم ومقبول من الأطراف، وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لا سيما قراراته الأربعة الأخيرة المذكورة في تقرير الأمم المتحدة.
رابعا: يجدد القرار “الإشادة بالتزام الأطراف بمواصلة إبداء الإرادة السياسية والعمل في جو مناسب للحوار من أجل الدخول، بحسن نية ودون شروط مسبقة، في مرحلة مفاوضات مكثفة بشكل أكبر، مع الإحاطة علما بالجهود المبذولة والتطورات المستجدة منذ سنة 2006″. ويشمل ذلك، على الخصوص، التطورات المستجدة وغير المسبوقة المتمثلة في اعتماد القرار 2797 وعقد جولات من المفاوضات في واشنطن ومدريد، والتي قدم المغرب خلالها الوضع المتقدم للحكم الذاتي.
خامسا: لا يمس هذا القرار بأي حال من الأحوال بوضع الصحراء، كونه يعزز الدينامية السياسية التي أطلقها مجلس الأمن في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يدرج قضية الصحراء المغربية ضمن منطق السلم والأمن الدوليين، والواجب حلها عبر الحوار والتفاوض.”

