مِنَ الإِشَادَةِ إِلَى التَّخْوِينِ.. دَلَالَاتُ الهُجُومِ الِانْفِصَالِيِّ وَالْجَزَائِرِيِّ عَلَى “دِي مِيسْتُورَا”… مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِلْهُرُوبِ إِلَى الأَمَامِ مِنْ وَاقِعٍ سِيَاسِيٍّ وَدِبْلُومَاسِيٍّ جَدِيدٍ يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِقُوَّةٍ

مِنَ الإِشَادَةِ إِلَى التَّخْوِينِ.. دَلَالَاتُ الهُجُومِ الِانْفِصَالِيِّ وَالْجَزَائِرِيِّ عَلَى “دِي مِيسْتُورَا”… مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِلْهُرُوبِ إِلَى الأَمَامِ مِنْ وَاقِعٍ سِيَاسِيٍّ وَدِبْلُومَاسِيٍّ جَدِيدٍ يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِقُوَّةٍ

عبدالقادر كتـــرة

في تحول دراماتيكي يعكس حالة من التخبط الدبلوماسي وفقدان البوصلة، شنت جبهة البوليساريو، مسنودة بالآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية، هجوماً شرساً وغير مسبوق على المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا. هذا الهجوم، الذي وصل حد التلويح بوقف التعامل معه، يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الانقلاب المفاجئ، خاصة وأن الأطراف ذاتها كانت، حتى وقت قريب، تستشهد بجهوده وترحب بتعيينه. إن قراءة متأنية لهذا التصعيد تكشف عن أزمة هيكلية وعزلة خانقة يمر بها المحور الداعم للانفصال.

صدمة “الواقعية السياسية” في مجلس الأمن السبب المباشر والمحرك الأساسي لهذه الحملة هو الإحاطة التي قدمها دي ميستورا أمام مجلس الأمن في أواخر أكتوبر

بخلاف ما كانت تأمله الجزائر والبوليساريو، لم يتبنَّ المبعوث الأممي الطروحات الكلاسيكية المتجاوزة. بل لامس في تقريره، وبطريقة براغماتية، استحالة تطبيق خيارات الانفصال التي أثبتت عقمها طوال عقود.

واقترب دي ميستورا، بفضل معاينته للحقائق على الأرض ودينامية الدبلوماسية الدولية، من الإقرار بأن “مبادرة الحكم الذاتي” التي يطرحها المغرب تشكل الإطار الوحيد القابل للتطبيق، والأساس الأكثر جدية لطي هذا النزاع المفتعل.

سيناريو متكرر.. عقدة المبعوثين الأمميين الهجوم على دي ميستورا ليس سابقة، بل هو استنساخ لسيناريوهات سابقة تعاملت بها البوليساريو والجزائر مع مبعوثين أمميين آخرين (مثل بيتر فان والسوم وكولر).

القاعدة بسيطة لدى المحور الانفصالي: “إما أن تتبنى أطروحتنا بالكامل، أو أنت منحاز ومرفوض”.

بمجرد أن يصطدم أي مبعوث أممي، يمتلك حداً أدنى من النزاهة والواقعية، بتعنت الأطراف الأخرى ورفضها الانخراط في حل سياسي عملي (كما تنص قرارات مجلس الأمن)، ويصارح المجتمع الدولي بالحقائق، تبدأ حملات الشيطنة والتخوين ضده بهدف عرقلة مسار التسوية وشراء المزيد من الوقت للوضع القائم.

دلالات التخبط وتداعيات العزل

يعكس هذا الهجوم حالة يأس حقيقي. فالجزائر والبوليساريو تجدان نفسيهما محاصرتين دولياً؛ فمن جهة، تتوالى الاعترافات الدولية الوازنة بمغربية الصحراء (الولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا، وفرنسا مؤخراً)، ومن جهة أخرى، يضيق الخناق الأممي عبر قرارات مجلس الأمن التي تكرس الموائد المستديرة (التي ترفضها الجزائر) وتطالب بحل سياسي مبني على التوافق.

التهديد بمقاطعة دي ميستورا هو بمثابة “إطلاق نار على القدم”؛ فهو يضع البوليساريو في مواجهة مباشرة مع الشرعية الدولية، ويصنفها كطرف معرقل لجهود السلام، مما سيعمق من عزلتها ويسرع في تآكل ما تبقى من رصيدها الدبلوماسي الهش.

ختاما، إن الانقلاب على ستيفان دي ميستورا هو محاولة يائسة للهروب إلى الأمام من واقع سياسي ودبلوماسي جديد يفرض نفسه بقوة. لقد أدرك المجتمع الدولي، ومعه المبعوث الأممي، أن إنهاء هذا النزاع يمر حتماً عبر الواقعية السياسية التي يجسدها المقترح المغربي. في المقابل، يختار المحور الانفصالي سياسة الهروب والعرقلة، وهي استراتيجية قد تطيل أمد المعاناة في مخيمات تندوف، لكنها بكل تأكيد لن تغير من مسار التاريخ الذي يحسم هذا الملف بشكل نهائي.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *