أَزْمَةُ سَبْتَةَ وَ”التَّرْحِيلُ السَّرِيعُ”: مَدْرِيدُ تُشَرِّعُ الْأَبْوَابَ وَالْأَنْظَارُ تَتَّجِهُ نَحْوَ الرِّبَاطِ… هَلْ مَرْسُومُ التَّرْحِيلِ الْإِسْبَانِيُّ الْجَدِيدُ، حَلٌّ أَمْنِيٌّ حَاسِمٌ أَمْ مَأْزِقٌ حُقُوقِيٌّ وَدِبْلُومَاسِيٌّ؟

أَزْمَةُ سَبْتَةَ وَ”التَّرْحِيلُ السَّرِيعُ”: مَدْرِيدُ تُشَرِّعُ الْأَبْوَابَ وَالْأَنْظَارُ تَتَّجِهُ نَحْوَ الرِّبَاطِ… هَلْ مَرْسُومُ التَّرْحِيلِ الْإِسْبَانِيُّ الْجَدِيدُ، حَلٌّ أَمْنِيٌّ حَاسِمٌ أَمْ مَأْزِقٌ حُقُوقِيٌّ وَدِبْلُومَاسِيٌّ؟

عبدالقادر كتـــرة

تعيش مدينة سبتة  المحتلة على وقع أزمة هجرة متصاعدة وضعت حكومة بيدرو سانشيز الإسبانية تحت ضغط سياسي وشعبي غير مسبوق.

وأمام اكتظاظ مراكز الإيواء وتصاعد انتقادات المعارضة اليمينية، تتجه مدريد نحو تفعيل خيار قانوني طوارئ يتمثل في إصدار “مرسوم قانون استثنائي”، يهدف إلى تسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب. هذا التوجه، وإن كان يبدو حلاً أمنياً سريعاً في نظر صناع القرار في إسبانيا، إلا أنه يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول التداعيات الحقوقية والقانونية، وحول مستقبل التعاون الإقليمي في حوض المتوسط.

ماذا يخبئ المرسوم الاستثنائي؟

في العادة، تتطلب قضايا الهجرة واللجوء في إسبانيا قوانين تنظيمية تمر عبر نقاشات برلمانية مطولة. لكن اللجوء إلى “مرسوم قانون” يعني استخدام أداة دستورية تتيح للحكومة تمرير قرارات عاجلة ذات نفاذ فوري. الهدف الأساسي لهذا المرسوم واضح: تقليص الآجال الزمنية الممنوحة للمهاجرين لتقديم الطعون القانونية ضد قرارات الترحيل.

بعبارة أخرى، تسعى السلطات الإسبانية إلى إفراغ المدينة من المهاجرين بأسرع وقت ممكن قبل أن تأخذ المساطر القضائية مجراها الطبيعي، والذي قد يستغرق أشهراً أو سنوات.

طالبو اللجوء والقاصرون.. في عين العاصفة النقطة الأكثر إثارة للقلق في هذا التوجه الحكومي الإسباني تتعلق بفئتين تحظيان بحماية خاصة في القانون الدولي: طالبو اللجوء، والقاصرون غير المصحوبين.

بالنسبة لطالبي اللجوء، تشير المعطيات إلى أن المرسوم قد يسمح بترحيلهم قبل البت النهائي في ملفاتهم. هذا الإجراء يفرغ مفهوم “اللجوء” من محتواه، ويضرب في الصميم مبدأ “عدم الإعادة القسرية” الذي تنص عليه اتفاقية جنيف، إذ قد يجد طالب اللجوء نفسه مبعداً قبل أن تقرر المحاكم ما إذا كان يستحق الحماية أم لا.

أما القاصرون غير المصحوبين، الذين يشكلون نسبة هامة من الواصلين، فإن تسريع الإجراءات قد يعرضهم لعمليات ترحيل تفتقر إلى “التقييم الفردي” الدقيق لكل حالة، وهو ما يعيد إلى الأذهان أزمات سابقة أوقفت فيها المحاكم الإسبانية عمليات ترحيل جماعية للقاصرين لعدم قانونيتها.

المأزق القانوني الداخلي

لا يخلو هذا المسعى من مطبات داخلية في إسبانيا. فالمنظمات الحقوقية الإسبانية والدولية تقف بالمرصاد، محذرة من أن المساس بالحقوق الأساسية للمهاجرين عبر مراسيم عاجلة يعد خرقاً للدستور الإسباني نفسه.

ومن المرجح جداً أن يشهد هذا المرسوم، بمجرد صدوره، سيلاً من الطعون القضائية التي قد تؤدي إلى تجميده أو إلغاء بعض بنوده، مما يضع حكومة سانشيز في مواجهة مفتوحة مع السلطة القضائية.

الرباط.. الرقم الصعب في المعادلة الإسبانية

لا يمكن قراءة هذا المرسوم الإسباني بمعزل عن التوازنات الإقليمية. فإسبانيا تدرك جيداً أن أي تشريع داخلي لتسريع الترحيل سيبقى حبراً على ورق دون تعاون ميداني وسياسي من جانب المغرب.

استقبال المهاجرين المُرحّلين يتطلب موافقة وتنسيقاً من السلطات المغربية. وهنا، تبرز ورقة الهجرة كأحد أهم محددات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

التحرك الإسباني العاجل يعكس رغبة مدريد في توجيه رسالة حازمة لردع موجات الهجرة المستقبلية وشبكات التهريب، لكنه في الوقت ذاته يضعها في موقف احتياج مستمر للتعاون المغربي.

هذا الواقع يمنح الرباط مساحة أوسع لتوظيف هذا الملف في تعزيز مكاسبها الدبلوماسية والاقتصادية ضمن علاقتها المعقدة والمترابطة مع جارتها الشمالية.

خلاصة القول، يبدو أن المرسوم الاستثنائي الإسباني هو محاولة لإطفاء حرائق سياسية داخلية بأدوات قانونية مثيرة للجدل.

وفي حين تسعى مدريد لإظهار صرامة أمنية في سبتة، فإنها تخاطر بإحداث شرخ في التزاماتها الحقوقية الأوروبية والدولية.

والأهم من ذلك، يثبت هذا التطور مجدداً أن الحلول الأحادية في أزمات الهجرة تظل قاصرة، وأن استقرار الحدود يمر حتماً عبر بوابات التنسيق الدبلوماسي والتنمية المشتركة مع دول الجوار، وليس فقط عبر المراسيم الاستثنائية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *