دِبْلُومَاسِيَّةُ الْمَقْعَدِ الْفَارِغِ: غَابَ الْمَغْرِبُ عَنْ جَلْسَةِ نَتَنْيَاهُو فِي الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ… بَيْنَ الِانْسِحَابِ وَالْغِيَابِ الِاحْتِجَاجِيِّ، هَكَذَا أَوْصَلَتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ رَسَائِلَهَا فِي وَجْهِ إِسْرَائِيلَ

دِبْلُومَاسِيَّةُ الْمَقْعَدِ الْفَارِغِ: غَابَ الْمَغْرِبُ عَنْ جَلْسَةِ نَتَنْيَاهُو فِي الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ… بَيْنَ الِانْسِحَابِ وَالْغِيَابِ الِاحْتِجَاجِيِّ، هَكَذَا أَوْصَلَتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ رَسَائِلَهَا فِي وَجْهِ إِسْرَائِيلَ

عبدالقادر كتـــرة

تحولت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها لشهر شتنبر 2026 إلى ساحة مواجهة دبلوماسية مفتوحة، حيث شكل صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى المنصة لحظة كاشفة لخريطة المواقف العربية والإسلامية تجاه حرب غزة.

وفي الوقت الذي تصدر فيه مشهد “الانسحاب الجماعي” واجهة الأحداث، اندلعت حرب موازية أشد خطورة على منصات التواصل الاجتماعي، استهدفت الوعي العربي عبر تزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام، وكان الموقف المغربي المتمثل في “الغياب المسبق” أحد أبرز ضحايا هذه الآلة الدعائية.

هندسة المواقف: الغياب، البقاء، والانسحاب

عكس المشهد الأممي تبايناً عميقاً في المقاربات الدبلوماسية العربية، حتى بين الدول الموقعة على اتفاقيات السلام. يمكن قراءة هذا التباين عبر ثلاثة مسارات رئيسية:

– دبلوماسية المقعد الفارغ: اختارت الدبلوماسية المغربية عدم الحضور إلى القاعة منذ بداية الجلسة. هذا “الغياب الاحتجاجي” يُعد تكتيكاً سياسياً صارماً يوجه رسالة رفض قاطعة للاستماع أو تقاسم الفضاء الدبلوماسي مع الطرف الآخر. لقد فضل المغرب إرسال رسالته بهدوء سيادي، متجنباً الاستعراض المرتبط بلحظة الانسحاب، وهو ما ينسجم مع تقاليده الدبلوماسية العريقة في إدارة الأزمات الإقليمية.

– البقاء المتعمد: كشفت تقارير وكالات الأنباء الدولية، ومنها وكالة الأناضول، عن استمرار وفدي الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين في مقاعدهما ومتابعة الخطاب. يعكس هذا الخيار مقاربة مغايرة تماماً، تتبنى الفصل بين التوترات الإقليمية والحضور المؤسساتي داخل الهيئات الأممية، وهو ما يبرز شرخاً في توحيد السلوك الدبلوماسي العربي حيال الأزمة المستمرة.

– الانسحاب الاحتجاجي المباشر: شكلت الأغلبية العربية والإسلامية كتلة منسحبة لحظة بدء الخطاب، في خطوة تهدف إلى إحداث صدمة بصرية وتسجيل موقف إدانة مباشر أمام أنظار المجتمع الدولي.

آلة التضليل واستهداف الوعي الجمعي

لم يكد مشهد المقاعد الفارغة يكتمل، حتى تحركت لجان الدعاية الإلكترونية لاستثمار الحدث في تصفية حسابات جيوسياسية.

تم الترويج لمقاطع فيديو مجتزأة وادعاءات كاذبة تزعم أن الوفد المغربي بقي في مقعده مستمعاً للخطاب. هذا التزييف المتعمد لم يكن مجرد خطأ في النقل، بل عملاً ممنهجاً يحمل أبعاداً خطيرة:

سلاح التخوين: تستغل هذه المنصات حالة الاحتقان العاطفي المرتبط بمعاناة المدنيين لضرب الجبهات الداخلية للدول، وتحويل بوصلة الغضب الشعبي نحو صراعات بينية عقيمة وتراشق بتهم التخوين المجانية.

– طمس الحقائق وتزييف الوعي: يهدف ضخ الشائعات بكثافة إلى إغراق المتلقي في بحر من التناقضات، مما يجعله عاجزاً عن التمييز بين الموقف السيادي الحازم (كالغياب المسبق) وبين التواطؤ المتوهم، وهو ما يضرب في العمق مصداقية العمل الدبلوماسي.

– خدمة أجندات خارجية: يُظهر هذا الاستهداف الممنهج كيف تتحول الأزمات الإنسانية الكبرى إلى مجرد أدوات في أيدي جهات خفية، تسعى لتقويض الاستقرار الإقليمي وإضعاف الثقة بين الشعوب ومؤسساتها الوطنية.

إن مواجهة هذه الحروب السردية لم يعد يقتصر على نفي الشائعة، بل يتطلب بناء وعي نقدي حاد لدى الرأي العام، يرتكز على تفكيك مصادر المعلومات والعودة إلى الحقائق الموثقة. فالمقعد المغربي الفارغ في الأمم المتحدة لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل كان قراراً سياسياً تم اختطافه في زحام الدعاية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الفرد العربي اليوم على حماية وعيه من الاستلاب الرقمي الممنهج.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *