من تندوف إلى دمشق عبر الجزائر: كيف فضح سقوط الأسد جرائم المرتزقة وعسكر الجزائر في حق شعب سوريا واستراتيجية الأرض المحروقة؟
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، غالباً ما تنجلي الحقائق التي طالما طُمست خلف الشعارات الدبلوماسية الرنانة. ومع تسارع الأحداث وسقوط دمشق، لم يسقط نظام بشار الأسد فحسب، بل سقطت معه آخر أوراق التوت التي كانت تغطي عورات أنظمة حاولت يائسة إنقاذه، لتجد نفسها اليوم متورطة في مستنقع سياسي وأخلاقي لا مخرج منه.
المشهد السريالي الذي وثقته الأيام الأخيرة للأسد قبل فراره إلى روسيا، يلخص حالة من التخبط الدبلوماسي والاستخباراتي غير المسبوق.
ففي الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، يجري اتصالاً بمسؤولي النظام السوري المنهار للتعبير عن تضامنه ووصف الثوار بـ “الإرهابيين”، كانت الحقائق على الأرض ترسم واقعاً مغايراً تماماً: الرئيس السوري قيد الهروب، والعاصمة تسقط، وثلاث كتائب كاملة من الجنود والمرتزقة الذين أُرسلوا في جنح الظلام للقتال دفاعاً عن الديكتاتورية، يقعون في قبضة الثوار.
لطالما تغنت الدبلوماسية الجزائرية بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، لكن الأسرى الذين سقطوا في ضواحي دمشق نسفوا هذه السردية بالكامل.
إن الزج بجنود نظاميين، إلى جانب عناصر من مرتزقة “البوليساريو”، في حرب مدمرة خارج الحدود لا يشكل فقط انتهاكاً للقانون الدولي، بل يمثل خيانة لثقة الداخل الذي يُدفع بأبنائه إلى أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
الأخطر من التورط العسكري هو طبيعة المهام التي أُسندت لهذه القوات. المعلومات الميدانية المتطابقة تكشف عن فظائع ترقى إلى مصاف “جرائم الحرب” وجرائم ضد الإنسانية.
من تصفية المعتقلين ميدانياً دون محاكمات، إلى ممارسة أبشع أنواع الانتهاكات كالاغتصاب ضد الأسيرات السوريات، وصولاً إلى إحراق وتدمير المستشفيات الميدانية التي كانت تعالج المدنيين من جحيم “البراميل المتفجرة”.
إن الاستعانة بمرتزقة البوليساريو، الذين يفتقرون لأي رادع أخلاقي أو انتماء للأرض، يفسر هذه الوحشية المفرطة في التعامل مع الحاضنة الشعبية السورية، في محاولة يائسة لكسر إرادتها.
اليوم، يجد النظام الجزائري نفسه في زاوية ضيقة أمام القيادة السورية الجديدة. الرفض الحازم للرئيس السوري الجديد، “أحمد الشرع”، لمطالب تسليم الأسرى، وتلويحه بنشر اعترافاتهم الموثقة عبر شاشة قناة “الجزيرة”، يمثل كابوساً حقيقياً لمن اتخذ قرار التدخل.
بث هذه الاعترافات، التي ستكشف حجم التعليمات والمراسلات الرسمية التي أمرت بارتكاب هذه الفظائع، سيحول القضية من مجرد “دعم سياسي” إلى مسألة جنائية دولية، تضع كبار المسؤولين تحت طائلة الملاحقة القانونية.
هذه المغامرة غير المحسوبة لن تمر دون عواقب زلزالية. على الصعيد الداخلي، سيواجه النظام غضباً شعبياً وتساؤلات مشروعة من عائلات الجنود حول أسباب إرسال أبنائهم للموت أو الأسر في حروب بالوكالة.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، سيُسهل هذا التورط الموثق من تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية ارتزاقية تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.
في النهاية، لقد أثبتت أحداث دمشق أن محاولة إنقاذ الأنظمة الديكتاتورية المتهالكة بالقوة العمياء، لا تؤدي إلا إلى الغرق معها. المكالمة الهاتفية الأخيرة لوزير الخارجية لم تكن سوى “مكالمة خارج التغطية” التاريخية والميدانية، لتُسدل الستار على حقبة من التدخلات التي ستدفع المنطقة، والجزائر تحديداً، ثمنها الدبلوماسي والأخلاقي لسنوات قادمة.

