الدرون يقصف 4 شاحنات جزائرية تجاوزت الحدود خلفت 3 قتلى: الجيش المالي يستعيد زمام الأمور بفرض السيطرة المطلقة وبدأ بشن هجمات مكثفة ضد الجماعات المسلحة

الدرون يقصف 4 شاحنات جزائرية تجاوزت الحدود خلفت 3 قتلى: الجيش المالي يستعيد زمام الأمور بفرض السيطرة المطلقة وبدأ بشن هجمات مكثفة ضد الجماعات المسلحة

عبدالقادر كتـــرة

استهدفت طائرات مسيرة (درونات) تابعة للجيش المالي 4 شاحنات جزائرية داخل الأراضي الأزوادية (شمال مالي) كانت مخصصة لنقل الأكباش والمواشي؛ حيث يدخل التجار الجزائريون لشراء الأغنام من البدو في مالي بأسعار منخفضة لإعادة بيعها في الجزائر.

وأسفر القصف عن تدمير الشاحنات ومقتل 3 مواطنين جزائريين؛ أحدهم من ولاية ورقلة (مواليد 1986)، واثنان من منطقة عين ماضي بولاية الأغواط.

هذه الشاحنات دخلت الأراضي المالية لأغراض تجارية بحتة تتمثل في شراء المواشي ونقلها نحو الجنوب الجزائري، وهو نشاط تجاري واقتصادي تقليدي تعتمد عليه ساكنة المناطق الحدودية بين البلدين.

غير أن المجلس العسكري في باماكو، وفي ظل استراتيجيته الجديدة لفرض السيادة المطلقة على كامل التراب المالي، بات يتعامل بصرامة عسكرية مميتة مع أي توغل للمركبات الأجنبية.

وتعتبر باماكو أن دخول هذه الشاحنات بالتنسيق مع الحركات الأزوادية (التي تسيطر فعلياً على مساحات شاسعة من الشمال) ودون الحصول على تصاريح رسمية من الحكومة المركزية، يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادتها، و”اعترافاً ضمنياً” بسلطة الفصائل الأزوادية المسلحة، وتجاوزاً لمؤسسات الدولة المالية.

تاريخياً، كانت التجارة البينية، المقايضة، وحركة الرعاة تتم بمرونة كبيرة بين الجنوب الجزائري وشمال مالي، وتخضع لتفاهمات عرقية وقبلية مع الطوارق والحركات الأزوادية. باماكو توجه من خلال هذه المسيرات الهجومية رسالة نارية بأن هذا العصر قد انتهى، وأن أي عبور أو نشاط اقتصادي يجب أن يمر عبر قنواتها الرسمية حصراً.

وبدأ الجيش المالي، مدعوماً بقوات فيلق إفريقيا الروسي، في استعادة السيطرة والثقة، وبدأ بشن هجمات مكثفة ضد الجماعات المسلحة مثل “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” والحركات الأزوادية.

ويعتمد الجيش المالي في قصفه على أسلحة متطورة تشمل صواريخ روسية تزن 500 كيلوغرام، تنفجر لنشر شظايا تغطي مساحات واسعة لاستهداف مقاتلي الجماعات المسلحة الذين يتنقلون بالمئات عبر الدراجات النارية. كما تم استخدام الألغام الأرضية بكثافة، خاصة بعد انسحاب القوات الروسية من مناطق مثل “كيدال”.

وتوسع نشاط الطائرات المسيرة المالية ليشمل مناطق واسعة في أزواد، حيث تم قصف مواقع في كيدال، تيساليت، تمبكتو، وتودني، فيما انسحب عدد كبير من مقاتلي الحركات الأزوادية والجماعات المسلحة إلى مواقع خلفية في دول الجوار (الجزائر، موريتانيا، السنغال، وبوركينا فاسو) لشن هجمات مضادة من هناك.

ورغم هذا الضغط العسكري، لا تزال مدينة “كيدال” تحت سيطرة الأزواديين ولم يبسط الجيش المالي سيطرته الكاملة عليها بعد.

استهداف الشاحنات الجزائرية يأتي ضمن حملة عسكرية واسعة وعشوائية في بعض الأحيان، تنفذها باماكو لفرض سيطرتها على الشمال المالي باستخدام التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

تأتي حادثة استهداف طائرات مسيرة تابعة للجيش المالي (يُعتقد أنها من طراز “بيرقدار TB2”) لشاحنات جزائرية داخل أراضي إقليم أزواد، في إطار تصعيد مستمر وغير مسبوق للتوترات على الشريط الحدودي.

وتعكس الحادثة ذروة التدهور في العلاقات بين الجزائر وباماكو، خاصة بعد إنهاء مالي العمل بـ “اتفاق الجزائر للسلام 2015” من جانب واحد، واتهامها العلني للجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية واستقبال قادة أزواديين. القصف يُقرأ كـ “عقاب” ميداني ورفض صارم لأي دور جزائري، سياسي أو اقتصادي، في الشمال المالي لا يخضع لشروط المجلس العسكري.

وينذر هذا التطور بتداعيات جيوسياسية وأمنية معقدة على المديين القريب والمتوسط، حيث ستجد الجزائر نفسها مضطرة لتعزيز انتشارها العسكري على طول حدودها الجنوبية (التي تتجاوز 1300 كم مع مالي) لحماية مواطنيها ومصالحها ومنع تكرار هذه الحوادث، مما يعني استنزافاً إضافياً للموارد الأمنية واللوجستية.

كما أن استمرار سقوط ضحايا مدنيين أو خسائر مادية قد يضع صانع القرار الجزائري في موقف شديد التعقيد؛ حيث سيتعين عليه الموازنة بين ممارسة “الردع” لحفظ الهيبة الوطنية وحماية الأرواح، وبين “ضبط النفس” لتجنب الانجرار إلى حرب استنزاف مجانية في رمال الساحل المشتعلة.

من جهة أخرى، سيؤدي الاستهداف المباشر إلى توقف شبه تام لتجارة المقايضة واستيراد اللحوم والمواشي التي تعتمد عليها ولايات أقصى الجنوب الجزائري لتموين أسواقها، مما قد يخلق أزمات في التموين واحتقاناً اقتصادياً لدى العائلات التي تعيش على هذا النشاط.

تؤكد الحادثة أن “تحالف دول الساحل” (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) يتبنى عقيدة هجومية وسيادية لا تراعي العلاقات التاريخية.

هذا يفرض على الجزائر إعادة صياغة عقيدتها الدبلوماسية في منطقة باتت محكومة بأنظمة عسكرية ترفض الوصاية التقليدية وتستند إلى تحالفات دولية جديدة.

خلاصة القول، محاولة باماكو قطع شرايين الحياة الاقتصادية عن المناطق الأزوادية (من خلال قصف الشاحنات التي تشتري منهم المواشي وتمدهم بالأموال أو السلع) هي استراتيجية خنق وحصار شامل.

هذا سيؤدي حتماً إلى زيادة ضراوة المعارك بين الجيش المالي و”جبهة تحرير أزواد”، مما يهدد بموجات نزوح إنسانية جديدة وكبيرة نحو الأراضي الجزائرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *