صراع السلطة داخل النظام العسكري الجزائري انطلق من “قاعدة وجدة” عام 1960، حيث ظل الجيش دائماً هو “صانع الرؤساء” منذ: “احذر، بومدين سيكوباتي (مريض نفسي)…!”
عبدالقادر كتـــرة
نص تاريخي منسوب إلى علي دحيلس (ابن العقيد سليمان دحيلس، المدعو “سي صادق”) يتناول كواليس صراع السلطة داخل قيادة الثورة الجزائرية في “قاعدة وجدة” عام 1960.
يركز النص على شخصية هواري بومدين (محمد بوخروبة) ورؤية بعض القادة والعلماء له، مثل العقيد سي صادق والطبيب النفسي والمفكر الفرانكوفوني فرانز فانون.
“شهادة من تاريخ حرب التحرير الجزائرية، القصة الحقيقية:
فرانز فانون للعقيد سليمان دحيلس: “احذر، بومدين سيكوباتي (مريض نفسي)…”!
قال العقيد دحيلس (سي صادق) لمحمد بوخروبة (المعروف باسم هواري بومدين):
«أنت غير مؤهل لتسيير جيش أو دولة، وعلاوة على ذلك، أنت لم تشارك قط في هذه الثورة ولم تطلق رصاصة واحدة على جندي فرنسي!»
فأجابه بومدين: «أنا خريج جامع الزيتونة بتونس وأحفظ ستين حزباً من القرآن الكريم كاملاً!»
فرد عليه العقيد سي صادق: «نحن في حرب ضد جيش قوي، وكان الأجدر بك أن تتقن أصول العسكرية وليس القرآن!»، وتابع قائلاً: «إن الحرب وشؤون الدولة مسائل جسيمة يجب أن تُوكل إلى رجال ناضجين وأكفاء، وليس إلى عسكريين فظين مثلك. أنت مفرط في الطموح، وأنا أعلم من الذي قلدك رتبة عقيد».
وقعت هذه المشادة في قاعدة وجدة عام 1960.
بعد فترة وجيزة في القيمة نفسها (قاعدة وجدة)، وفي بداية المساء بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، خرج العقيد سليمان دحيلس ليدخن سيجارة بعد عشاء بسيط غير بعيد عن تلك القاعدة الغربية، ليلتحق به الدكتور فرانز فانون الذي اقترب منه قائلاً:
«هل يمكنني التحدث إليك يا سيادة العقيد؟»
فأجابه العقيد: «بالتأكيد يا دكتور فانون، تفضل».
فقال الدكتور فانون: «بومدين شخص سيكوباتي…»
فسأله العقيد دحيلس: «ما الذي يجعلك تقول ذلك؟»
رد الدكتور فانون: «أنا دكتور في الطب النفسي، عندما أنظر إلى عيني رجل، أعرف ما يدور في أعماق لاوعيه. يا سيادة العقيد، أؤكد لك مجدداً كطبيب أن العقيد بومدين يشكل خطراً على الشعب الجزائري وعلى الجزائر المستقلة مستقبلاً».
فقال له العقيد دحيلس: «مع من تحدثت في هذا الأمر أيضاً؟»
فأجاب فانون: «لم أتحدث مع أحد، يا سيادة العقيد».
فقال له العقيد دحيلس: «إذن، التزم الكتمان يا دكتور، وسنرى في الأمر لاحقاً».
كان ذلك في قاعدة وجدة، هيئة أركان جيش التحرير الوطني (ALN) عام 1960.
توجه العقيد سي صادق لاحقاً لمقابلة “سي بن يوسف بن خدة” لكي يطلب منه تجريد بوصوف وبومدين من رتبهم وإبعادهم من هيئة الأركان بسبب سلوكياتهم وممارساتهم الفاشية، لكن “بن خدة” للأسف طلب من العقيد التريث والتمهل.
فرد عليه العقيد سي صادق بهذه الكلمات: «يجب أن نضرب الآن ما دام الوقت مناسباً. أطلب منك أن تفعل ذلك سياسياً، وسأتولى أنا ضربهم عسكرياً، لأنهم عاجزون عن القتال ولا يستطيعون حتى كسر ساق بطة!».
كان بن خدة خائفاً جداً من الانخراط في هذه العملية. وعندما زار بن خدة منزل العقيد سليمان دحيلس في الأبيار (بالجزائر العاصمة) عام 2000، لم يفت سي صادق أن يذكره بهذا الموقف قائلاً:
«من المؤسف جداً أنك ترددت في تجريدهم من رتبهم، لو فعلت لما وصلت الجزائر إلى ما هي عليه اليوم».
فاكتفى سي بن يوسف بن خدة بهز رأسه عدة مرات مؤيداً ودون كلام.
بقلم: علي دحيلس”
كانت الثورة، سنة 1960، تعيش أزمة حادة بين “جيش الحدود” المتمركز في وجدة (المغرب) وغار الدماء (تونس) بقيادة بومدين، وبين قادة الولايات التاريخية في الداخل الذين كانوا يواجهون حصاراً خانقاً (خط شال وموريس) ونقصاً في السلاح.
-نجح هواري بومدين رفقة عبد الحفيظ بوصوف (مؤسس المخابرات الجزائرية) في السيطرة على هيئة الأركان العامة (صعود “جماعة وجدة”).
العقيد سي صادق (سليمان دحيلس) كان ينتمي إلى الولاية الرابعة التاريخية (المنطقة الوسطى)، وكان يرى في قادة الحدود رجالاً “بيروقراطيين” لم يذوقوا ويل الحرب في الجبال.
تحذيرات سي صادق تحققت بحذافيرها عام 1962 (أزمة صيف 1962)؛ حيث قاد بومدين بجيش الحدود انقلاباً ضد الحكومة المؤقتة (GPRA) التي كان يرأسها بن يوسف بن خدة، ودخل العاصمة بالقوة لفرض أحمد بن بلة في السلطة، قبل أن ينقلب بومدين على بن بلة نفسه عام 1965 فيما سمي “التصحيح الثوري”.
“فرانز فانون” لم يكن مجرد مناضل، بل كان طبيباً نفسياً بارزاً (رئيس قسم الطب النفسي بمستشفى البليدة-البلوع).
تشخيصه لبومدين بـ”السيكوباتية” (وهي اضطراب الشخصية المناهضة للمجتمع، وتتميز بالبرود العاطفي، الطموح المفرط، والقدرة العالية على المناورة والسيطرة) يفسر الأسلوب البراغماتي الصارم الذي حكم به بومدين الجزائر لاحقاً، حيث كان يقدس “الدولة” على حساب الحريات الفردية.
الحوار يبرز فجوة كبيرة في المفاهيم. سي صادق يتكلم بمنطق “شرعية الميدان” (إطلاق النار على المستعمر)، بينما يدافع بومدين عن نفسه بـ”الشرعية الثقافية والدينية” (الدراسة في الزيتونة وحفظ القرآن). بومدين كان يعلم أن النخبة العسكرية تراه “مستورداً” من الخارج، فاحتمى بالهوية العربية الإسلامية لكسب الشرعية.
يوضح النص نقطة ضعف “الحكومة المؤقتة” بقيادة بن خدة، وهي التردد أمام تغول العسكر. رفضُ بن خدة حسم الصراع عسكرياً وسياسياً عام 1960 هو الذي فتح الباب لولادة “الدولة الاستخباراتية العسكرية” في الجزائر المستقلة.
صمت بن خدة وهز رأسه عام 2000 قد يُفسر كنوع من الندم المتأخر، لكنه لا ينفي أنه في عام 1962 فشل في الحفاظ على السلطة المدنية.
خلاصة القول، هذا النص وثيقة شفهية هامة جداً تسلط الضوء على “العقدة التأسيسية” للدولة الجزائرية: صراع العسكر والسياسيين، وهي الأزمة التي لا تزال ظلالها تخيم على النظام السياسي الجزائري حتى اليوم، حيث ظل الجيش دائماً هو “صانع الرؤساء”.

