يسطو الجزائريون على تراث المغرب لبناء هوية وهمية، ويختارون الإنكار التام والادعاء العكسي والإحتماء ب”المشترك المغاربي” ونقول ونكرر: “المكسي بلباس الناس عريان”
عبدالقادر كتـــرة
تتخذ ردود الفعل في الجزائر (سواء من طرف المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال الإعلام شبه الرسمي) إزاء هذه المواقف أنماطاً متكررة ومكشوفة:
– الإنكار التام والادعاء العكسي: الرد الأول غالباً ما يكون برفض فكرة أن المنتوج مغربي من الأساس. يتم الترويج لفكرة أن هذه العناصر (سواء كانت قفطاناً، أو زليجاً، أو حتى عادات وتقاليد) هي جزائرية الأصل، وأن المغرب هو من يحاول الاستحواذ عليها.
– الاحتماء بـ “المشترك المغاربي”: عندما تُقدم أدلة تاريخية ومادية قاطعة على الأصل المغربي لمنتوج ما، يتغير الخطاب ليتبنى سردية “التراث المغاربي المشترك”. يُطرح مبرر أن هذه الدول تتقاسم جغرافية وتاريخاً (أمازيغياً، إسلامياً، أو أندلسياً) واحداً، وبالتالي لا يحق لأي دولة “احتكار” هذا التراث.
– الهجوم المضاد والمظلومية: تحويل مسار النقاش من أصل المنتوج إلى اتهام المغرب بـ “التوسع الثقافي” ومحاولة طمس الهوية الجزائرية، مما يخلق حالة من التعبئة القومية (القومية الدفاعية) لدى المواطن الجزائري.
لفهم العقلية التي تبرر هذا الاستحواذ، يجب تفكيك السياق التاريخي والسياسي الذي يُشكل الوعي الجمعي هناك:
1. معضلة “بناء السردية الوطنية”: الدول التي ظهرت بحدودها الحالية بعد فترات استعمارية طويلة تواجه تحدياً كبيراً في صياغة هوية ثقافية فريدة ومستقلة. في ظل غياب تراكم حضاري متصل مؤسساتياً (كما هو الحال مع الإمبراطوريات أو الملكيات العريقة التي طورت فنونها عبر قرون من الاستقرار كالمغرب)، تلجأ بعض الدول إلى “استعارة” أو استنساخ عناصر من محيطها الجغرافي لسد الفراغ في هويتها البصرية والثقافية، مقتنعة بأن هذا ضروري لبناء “أمة” متماسكة.
2. الخلط بين “الجغرافيا” و”التراكم الحرفي المؤسساتي”:
الخطأ المعرفي الأكبر لديهم هو الاعتقاد بأن تقاسم نفس الجغرافيا يعني تلقائياً تقاسم نفس التطور الثقافي. قد يكون نبات “النيلة” أو مادة “العكر الفاسي” أو شكل أولي من الألبسة موجوداً في المنطقة ككل، لكن تحويل هذه المواد إلى “صناعة تقليدية”، و”فن”، و”طقوس مجتمعية” تطلب مئات السنين من رعاية سلاطين، وتطور ورشات في مدن عريقة كفاس، ومراكش، وتطوان. هم لا يفرقون بين “المادة الخام” التي قد تكون إقليمية، وبين “الصنعة والمهارة” التي هي حصرية تطورت في حواضر مغربية محددة.
3. البحث المتعجل عن “القوة الناعمة”:
في عصر العولمة، أدركت الأنظمة أن القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية هي التي تجلب السياحة والاستثمارات والاعتراف الدولي. محاولة الجزائر اللحاق بالركب السريع في هذا المجال تدفعها لمحاولة “حرق المراحل”. بدلاً من البحث في عمقها المحلي عن عناصر فريدة وتطويرها (وهو مسار يتطلب عقوداً)، يتم استنساخ “العلامة التجارية الثقافية” الجاهزة والناجحة للجوار وعرضها بأسماء أخرى.
4. تأثير التوجيه الرسمي والمدرسي:
المواطن البسيط نتاج لما يدرسه في المناهج وما يتلقاه من الإعلام الرسمي. إذا كانت مؤسسات الدولة تتبنى سياسة منهجية في نسب هذه العناصر لثقافتها لتغذية الشعور الوطني، فإن المواطن سيعتبر الدفاع عن هذا “السطو” واجباً وطنياً، ولن يراه سرقة، بل سيراه دفاعاً عن “ممتلكات مسلوبة”.
خلاصة القول، هم لا يرونه “سطواً” لأن العقلية الجمعية هناك مبرمجة سوسيولوجياً وسياسياً على اعتبار التراث المغربي “مُشاعاً إقليمياً” يحق لهم الغرف منه لسد ثغرات الهوية الثقافية.
هذا ما يجعل المواجهة المباشرة في المعارض، والأهم من ذلك، التوثيق القانوني الصارم في المؤسسات الدولية مثل الويبو (WIPO) واليونسكو (UNESCO)، هي اللغات الوحيدة الفعالة لحماية هذا التراث ووضع حد لهذه التجاوزات.

