الجزائر: الأزمة المعيشية عبر “جَوَّعْ كلبك يتبعك” ب”ترويض الشعب عبر الطوابير”، سياسة الأنظمة الشمولية بهدف إشغال الشعوب بلقمة العيش لإغفال حقوقها السياسية
عبدالقادر كتـــرة
يرفض النظام العسكري الجزائري والتغيير والتأقلم هروبا من الشرعية والإحتكام إلى صناديق الاقتراع بشفافية وديمقراطية واختار “الجمود” عن غفلته أو عدم وعي، ممارسا “استراتيجية بقاء” مدروسة بعناية محرك الأنظمة الشمولية، التي تهدف إلى إشغال الشعوب بلقمة العيش لغض الطرف عن الحقوق السياسية.
“ترويض الشعب عبر الطوابير”:
1. سياسة “تجويع الكلب يتبعك” (إدارة الندرة)
في العلوم السياسية، تلجأ بعض الأنظمة إلى “إدارة الندرة” عمداً لتحقيق هدفين:
تفتيت الكتلة الشعبية: عندما يقضي المواطن 6 ساعات في طابور للحصول على الحليب أو الدقيق، فإنه يستهلك طاقته الذهنية والبدنية في “البقاء” (Survival)، ولا يتبقى له جهد للتفكير في “الديمقراطية” أو “تداول السلطة”.
تحويل الحق إلى مكرمة: يصبح توفير الزيت أو الدقيق في نظر المواطن “إنجازاً” عظيماً للنظام، بدلاً من أن يكون حقاً بديهياً في بلد غني.
2. “سيكولوجية الطابور”: الترويض والتحطيم النفسي
الطابور في الجزائر ليس مجرد وسيلة توزيع، بل هو أداة لإذلال الفرد:
– تحطيم الكرامة الإنسانية عبر الوقوف لساعات من أجل مادة بسيطة يقتل روح التمرد.
– النظام يريد إيصال رسالة مشفرة: “أنت تابع لنا، وبدوننا لن تحصل حتى على الدقيق”. هذا ما أسميته أنت بـ “الترويض”، وهو تحويل المجتمع من “مواطنين مطالبين بحقوق” إلى “رعايا يبحثون عن إعالة”.
3. الفساد البنيوي: “ريع الأزمات”
لماذا لا يتحرك النظام؟ لأن الأزمات تدر أموالاً على حاشيته:
– الاحتكار والمضاربة في المواد الأساسية (البقوليات، الزيت، الوقود) غالباً ما يقف وراءها “بارونات” مرتبطون بجنرالات أو مسؤولين كبار.
– ندرة هذه المواد ترفع أسعارها في السوق السوداء، مما يدر أرباحاً خيالية على من يتحكم في رخص الاستيراد والتوزيع. النظام هنا “يستثمر” في جوع الشعب.
4. المفارقة المؤلمة: بلد غني وشعب فقير
الجزائر تعيش حالة “الانفصام الاقتصادي”:
– واجهة الدولة: مليارات الدولارات في احتياطي الصرف، صفقات سلاح ضخمة، وقصور رئاسية فخمة.
– واقع الشعب: انقطاعات في الماء، ندرة في الغاز (في بلد الغاز!)، وطوابير مهينة. هذا التناقض هو ما يجعل الجزائر “دولة غنية” ولكنها “فاشلة وظيفياً”، لأن الثروة لا تُستخدم للتنمية بل لتأمين ولاء النخبة العسكرية وقمع المعارضين.
“هدوء ما قبل العاصفة”: إن ممارسة “الترويض بالحديد والنار والخبز” لها تاريخ انتهاء صلاحية.
فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب التي يتم إذلالها في طوابير الطعام قد تبدو هادئة، لكن هذا الهدوء هو “احتقان صامت” ينتظر لحظة التلاشي التام للأمل لينفجر.
النظام الجزائري يراهن على أن “الخوف من العشرية السوداء” أقوى من “الوجع من الجوع”، لكنه ينسى أن الأجيال الجديدة (التي تولد وتكبر في الطوابير) ليس لديها ما تخسره، وهي لا تخاف من ماضٍ لم تعشه بقدر ما تخاف من مستقبل مظلم تراه أمام عينيها.

