أمريكا تقرر إنهاء بعثات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة المكلفة وغير الفعّالة حول العالم ونهاية حلم الاستفتاء وتقسيم المغرب…
عبدالقادر كتـــرة
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، ضمن خططها الاستراتيجية للفترة 2030-2026، عن توجيه الجهود لإنهاء ما تصفه بـ “بعثات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة المكلفة وغير الفعالة” التابعة للأمم المتحدة حول العالم.
هذا الموقف ليس مجرد تصريح سياسي، بل تُرجم فعلياً إلى ضغوط مالية ضخمة أحدثت هزة داخل أروقة الأمم المتحدة حيث اضطرت الأمم المتحدة حالياً إلى سحب حوالي 25% من إجمالي قوات حفظ السلام التابعة لها عالمياً (ما يعادل 13,000 إلى 14,000 جندي وشرطي) من عدة مناطق نزاع بسبب نقص السيولة.
كما تعيش ميزانية هيئة الأمم المتحدة عجزا ماليا حادا بعد أن خفضت واشنطن مساهماتها في ميزانية حفظ السلام بشكل ملحوظ (من حوالي 1.3 مليار دولار إلى نحو 682 مليون دولار للفترة 2025-2026)، مع مقترحات مطروحة بتصفير هذا البند تماماً في الميزانية الفيدرالية لعام 2026.
لهذا الوضع الجديد انعكاسات جيوسياسية إقليمية بالنظر إلى خريطة النزاعات، إذ يمس هذا القرار ملفات استراتيجية وعمقاً أمنياً في مناطق متعددة:
– بعثة المينورسو (الصحراء): تعتبر هذه البعثة من بين أبرز المهام التي طالها هذا التوجه. فقد شهدت ميزانية المينورسو مؤخراً اقتطاعاً بنسبة 22%، وبدأت بالفعل في تقليص أعداد موظفيها وتفكيك بعض نقاط المراقبة الجوية والميدانية، مما يمهد الطريق لإعادة هيكلة شاملة لدورها في المنطقة.
– الشرق الأوسط وأفريقيا: يشمل التقليص المالي والعددي بعثات حيوية مثل “اليونيفيل” في لبنان، والمهام الأممية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وهو ما قد يخلق فراغاً أمنياً قد تستغله الأطراف المسلحة.
هذا التوجه يُسرّع من نهاية حقبة “البعثات الأممية الكلاسيكية واسعة النطاق”، ويضع عبء الحفاظ على الأمن والاستقرار بشكل متزايد على عاتق التحالفات الإقليمية والقوى المحلية، مع التركيز على الحلول السياسية بدلاً من التواجد العسكري المفتوح.
على مستوى شمال أفريقيا، مسار التحولات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها المنطقة، والتي تؤكد أن النزاع المفتعل حول الصحراء قد دخل بالفعل مراحله النهائية.
قراءة المشهد الإقليمي والدولي الحالي تبرز عدة عوامل استراتيجية جعلت من مشروع الانفصال، الذي دُعم لعقود، خياراً غير قابل للتحقيق على أرض الواقع:
1. الإجماع الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي
شهدت السنوات القليلة الماضية انقلاباً حقيقياً في المواقف الدبلوماسية لصالح الطرح المغربي. لم يعد الأمر يقتصر على الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، بل امتد ليشمل تبني قوى أوروبية وازنة (مثل إسبانيا، وفرنسا، وألمانيا) لمبادرة الحكم الذاتي كـ “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع. هذا الزخم الدبلوماسي أفرغ الطروحات الانفصالية من أي غطاء دولي مؤثر.
2. تغير المقاربة الأممية و”الواقعية السياسية”
في سياق تقليص بعثات حفظ السلام، فإن مجلس الأمن والأمم المتحدة تخليا عملياً عن خيار “الاستفتاء” منذ سنوات طويلة لصعوبة بل واستحالة تطبيقه. التوجه الأممي الحالي، والذي تترجمه قرارات مجلس الأمن المتتالية، يضغط نحو إيجاد “حل سياسي واقعي وبراغماتي ومستدام”، وهو ما يتماشى حصرياً مع المقاربة المغربية، ويجعل من استمرار تمويل بعثات غير فعالة أمراً غير مبرر.
3. فرض “الأمر الواقع” الاقتصادي والتنموي
المغرب لم يكتفِ بالعمل الدبلوماسي، بل حسم المعركة ميدانياً واقتصادياً. الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية في الأقاليم الجنوبية (مثل ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الطاقة المتجددة، والربط القاري) حولت المنطقة إلى قطب اقتصادي استراتيجي يربط أوروبا بالعمق الإفريقي. هذه الدينامية التنموية جعلت من الاندماج واقعاً لا يمكن تجاوزه.
4. الكلفة الاستراتيجية والعزلة الإقليمية
بالنسبة للجزائر، أصبحت التكلفة الدبلوماسية والسياسية لاستمرار رعاية جبهة البوليساريو باهظة جداً. في ظل التحولات الإقليمية وتغير التحالفات في الساحل الإفريقي وتراجع النفوذ التقليدي في القارة، يجد صانع القرار في الجزائر نفسه أمام عزلة متزايدة في هذا الملف، خاصة مع سحب العديد من الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية لاعترافها بالكيان الوهمي.
في المحصلة، الملف ينتقل اليوم من “نزاع ترابي” إلى مسألة تأمين وتنمية إقليمية متكاملة، ما يضع حداً نهائياً لأي تصورات بتقسيم المنطقة.

