شخصيات جزائرية في عين إعصار فضيحة المستنقع الأخلاقي لشبكة البيدوفيلي”جيفري إبستين” بناء على وثائق رُفعت عنها السرية

شخصيات جزائرية في عين إعصار فضيحة المستنقع الأخلاقي لشبكة البيدوفيلي”جيفري إبستين” بناء على وثائق رُفعت عنها السرية

عبدالقادر كتـــرة

يدعى الجزائري عمار سياد، ويُناديه أصدقاؤه وأقرباؤه باسم “أميروش” كدليل على المودة. ينحدر عمار أو أميروش سياد من ضواحي “عزازقة” في منطقة القبائل بولاية تيزي وزو.

في الثانية والعشرين من عمره، وخلال الثمانينيات، هاجر إلى أوروبا ليستقر في السويد.

تزوج من امرأة سويدية وأسس أسرة في “ستوكهولم”، وحصل على الجنسية السويدية، واعتنق الديانة اليهودية، واتخذ اسم “دانيال” ليعرّف عن نفسه باعتباره “يهودياً من أصول أمازيغية”.

في أواخر الثمانينيات، انتقل إلى “براغ” في أوروبا الشرقية ليصبح صائد عارضات أزياء ومصور أزياء.

سرعان ما فرض نفسه كواحد من أمهر كشافي المواهب، حيث اكتشف عارضات جميلات من أوروبا الشرقية أصبحن لاحقاً وجهاً إعلانياً للموضة الغربية ولعدة علامات تجارية عالمية.

وسّع “دانيال سياد” شهرته كصائد عارضات أزياء لا يُشق له غبار ليشمل دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية.

ابتداءً من عام 2015-2016، تقرّب من الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل (الماك) واعتنق مشروعها الانفصالي. قطع علاقته نهائياً مع الجزائر، وأصبح يعتبر نفسه “قبائلياً” فقط.

من عام 2017 حتى 2020-2021، عُيّن دانيال سياد ممثلاً دبلوماسياً للحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل (الماك) في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين.

 

وبالتوازي مع ذلك، عاش حياة مزدوجة شديدة الإثارة، إذ أصبح أحد أهم مجندي الشابات والفتيات لصالح شبكة “جيفري إبستين”، المعتقل الجنسي والمجرم البيدوفيلي سيئ السمعة، الذي أدانه القضاء الأمريكي في أعقاب فضيحة اتجار بالبشر عالمية هزت العالم بأسره.

يظهر اسم “دانيال سياد” أكثر من 2000 مرة ضمن ثلاثة ملايين وثيقة نشرتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. هذه هي قصته المذهلة.

تمثل شخصية دانيال سياد (عمار/أميروش) نموذجاً صارخاً لأزمة الهوية في أدق تجلياتها. فهو ابن منطقة القبائل الذي هاجر شاباً إلى السويد، فتزوج من سويدية، واكتسب جنسيتها، ثم اعتنق اليهودية، متخذاً من “دانيال” ستاراً يهودياً و”أمازيغياً” في آن.

هذه الهوية المهجّنة ليست مجرد تنقل بين ثقافات، بل هي قطيعة متعمّدة مع الأصل الأمازيغي المسلم لصالح صياغة ذات جديدة تُرضي غرائزه المهنية والشخصية. إعلانه عن نفسه “يهودياً أمازيغياً” هو محاولة لخلق شرعية هوياتية خارج السرب، لكنها تبقى هجينة ومُفتعلة.

من صائد عارضات إلى صائد ضحايا

الانتقال من مهنة “صائد عارضات أزياء” إلى “مجند فتيات” لشبكة إبستين ليس انتقالاً بريئاً. فالمهارات نفسها التي جعلت منه كشافاً للجمال في أوروبا الشرقية هي ذاتها التي سخّرها لاحقاً في استقطاب قاصرات وشابات لشبكة دعارة عالمية. الصورة هنا مقلوبة: العين التي كانت تلتقط الجمال لأغراض الموضة تحولت إلى عين مفترسة في خدمة شهوات نخبة عالمية متوحشة.

الوثائق أظهرت أن دانيال (عمار) سياد لم يكن مجرد مصور هامشي، بل كان صلة وصل رئيسية بين إبستين ووكالات عرض الأزياء في أوروبا، وتحديداً عبر شريك إبستين المقرب “جان لوك برونيل”. الرسائل الإلكترونية المتبادلة كشفت عن مراسلات صريحة يقترح فيها صياد فتيات صغيرات السن (بعضهن قاصرات) على إبستين، واصفاً إياهن بعبارات تسليعية مقززة.

في فبراير 2026، تقدمت عارضة أزياء سويدية سابقة تُدعى “إيبا كارلسون” بشكوى رسمية في فرنسا تتهم فيها دانيال صياد بالاغتصاب والاتجار بالبشر. كارلسون صرحت بأن صياد استدرجها في التسعينيات تحت غطاء فرص عمل في مجال الموضة، ليتبين أنها وقعت في فخ شبكة استغلال جنسي.

ازدواجية الدور السياسي والأخلاقي

ما بين 2017 و2020، كان سياد “دبلوماسياً” يمثل انفصاليي القبائل في الخليج، متحدثاً باسم “تقرير المصير” و”الحرية”.

وفي الوقت نفسه، كان يمارس أخطر أدوار تجنيد النساء لشبكة إجرامية. هذه الازدواجية تكشف هشاشة الخطاب السياسي لهذه الحركات، التي قد تتبنى شخصيات مشبوهة دون تدقيق، مما يطرح تساؤلات حول مصداقية مشروعها برمته. كيف يمكن لمن يتاجر بالأجساد أن يدّعي الدفاع عن حقوق شعب؟

ورود اسمه أكثر من 2000 مرة في وثائق إبستين ليس مجرد رقم. إنه دليل على تورط عضوي وتاريخي في واحدة من أكبر فضائح الاتجار بالبشر في القرن الحادي والعشرين. هذه الوثائق، التي نشرتها إدارة ترامب، فضحت شبكات النخبة العالمية، وكان لدانيال سياد حضور كثيف فيها.

قصة دانيال سياد ليست مجرد حكاية فرد شاذ، بل هي مرآة لعالم اختلطت فيه الأوراق، وسقطت الأقنعة. إنها تكشف كيف يمكن للهوية أن تتحول إلى عباءة تُرتدي وتُخلع حسب المصلحة، وكيف أن الطموح المهني قد ينزلق إلى مستنقع الجريمة.

كما تطرح أسئلة عميقة عن مسؤولية الحركات السياسية في اختيار ممثليها، وعن تغاضي النخبة الخليجية والعالمية عن جرائم من يقدّم لهم الخدمات، طالما أن الخدمة هي ما يهم في النهاية.

تؤكد هذه القصة أن شبكة إبستين لم تكن مقتصرة على الولايات المتحدة، بل كانت “أخطبوطاً” يمتد إلى أوروبا الشرقية، والدول الاسكندنافية، وحتى شمال أفريقيا والخليج، معتمدين على وسطاء محليين مثل صياد يسهلون “لوجستيات” الجريمة.

إنها قصة مذهلة حقاً، لكنها ليست مذهلة بعبثيتها، بل بمقدار ما تحمله من دلالات مرعبة عن عصرنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *