إنذار مجنون للسلطات الجزائرية: بنك الجزائر يمنح مهلة شهر للعملاء قبل منع المدفوعات النقدية، وتعويضها بوسائل الدفع الكتابية (الشيك)

إنذار مجنون للسلطات الجزائرية: بنك الجزائر يمنح مهلة شهر للعملاء قبل منع المدفوعات النقدية، وتعويضها بوسائل الدفع الكتابية (الشيك)

عبدالقادر كتـــرة

مهلة شهر واحد قبل انتهاء المدفوعات النقدية: الإنذار المجنون من السلطات الجزائرية للتجار.

منح بنك الجزائر مهلة شهرًا للعملاء الذين لديهم حسابات تجارية للتكيف مع القواعد الجديدة التي تحظر الإيداعات النقدية.

تهدف هذه الفترة الانتقالية رسميًا إلى السماح بالانتقال التدريجي نحو استخدام وسائل الدفع الكتابية، وخاصة الشيك.

وتم تقديم هذه التوضيحات في نهاية اجتماع توضيحي عقد يوم الثلاثاء 30 دجنبر 2025 في مقر بنك الجزائر، بحضور البنكات العاملة. وفقًا للتوجيهات التي تم إبلاغها، “تم منح العملاء مهلة شهر واحد، يمكنهم خلالها إجراء إيداعات نقدية تتوافق مع إيراداتهم”، “يجب أن تأخذ هذه الإيداعات بالضرورة منحنى تنازليًا بشكل مستمر”، “البدء من اليوم الأول في استخدام المدفوعات عن طريق الشيكات بالتوازي مع الإيداعات النقدية”، “في نهاية شهر يناير 2026، سيتم مرة أخرى حظر الإيداعات النقدية، باستثناء حالات استثنائية ونادرة مبررة ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنشاط العميل”. تشبه هذه التوجيهات الجديدة بالفعل إنذارًا نهائيًا غير منطقي تمامًا موجهًا للتجار الجزائريين. إنذار لن يفشل في إثارة شعور بعدم الارتياح، بل وحتى في زعزعة استقرار خطيرة للاقتصاد الجزائري.

وتمثل الإجراءات الأخيرة لبنك الجزائر محاولة جذرية لإصلاح النظام المالي، ولكنها تثير تساؤلات كبيرة حول التوقيت والآثار الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في سياق الاحتجاجات الحادة الأخيرة في قطاع النقل.

من الأسباب والدوافع الكامنة وراء القرار، الامتثال الدولي والضغوط المالية حيث يأتي هذا الإجراء في إطار مساعي الجزائر للخروج من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (GAFI) المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث تم إدراج البلاد في أكتوبر 2024.

كما تهدف إلى زيادة الإيرادات الضريبية ومكافحة الاقتصاد غير الرسمي، في وقت يعاني فيه العجز الميزاني (يقارب 40 مليار دولار) من انخفاض أسعار النفط.

ويشكل الحظر استجابة لتحذيرات الرئيس تبون المتكررة من “أمراء الاقتصاد غير الرسمي” الذين يمتلكون “شققًا مليئة بالأوراق النقدية”.

ويستند القرار إلى تقييم “مستوى المخاطر المرتفع” المرتبط بالإيداعات النقدية، وهي وسيلة رئيسية لغسل الأموال الناتجة عن أنشطة غير مشروعة، كما في حالة اعتراض شاحنة محملة بـ 124 مليار سنتيم في موستانغم.

من جهة أخرى، يمثل القرار صدمة للنسيج الاقتصادي الجزائري، ويمكن تلخيص آثاره الرئيسية في كسر الحلقة النقدية في التوزيع الجزئي إذ يعد النظام الحالي معتمدًا بشدة على النقد.

فالتجار الصغار (أكثر من مليوني تاجر) يشترون نقدًا من الموزعين، الذين يودعون النقد في البنوك ليدفعوا بدورهم للموردين أو المستوردين بشيكات. يحظر القرار الجديد هذا الرابط الرئيسي (إيداع الموزعين للنقود)، مما يهدد بشل سلسلة التوريد بأكملها إذا لم يتحول الجميع فجأة إلى وسائل دفع رسمية.

من جهة ثانية، ليست القطاعات غير الرسمية وحدها المتأثرة، بل أيضًا الأنشطة المرخصة التي تتعامل مع عملاء يستخدمون النقد. اشتكى أصحاب المختبرات الطبية، على سبيل المثال، من رفض أو تأخير غير مبرر لإيداعاتهم النقدية رغم أن أموالهم تأتي من نشاط طبي خاضع للرقابة. كما يعاني الموزعون والمستوردون والفلاحون من صعوبات حقيقية في إيداع عائداتهم.

يكشف القرار عن فجوة هائلة بين الطموح الرقابي والواقع، إذ نسبة ضئيلة من أجهزة الدفع الإلكتروني (TPE): أقل من 80,000 جهاز لأكثر من مليوني تاجر.

كما يضاف إلى ما سبق، وسائل الدفع الإلكتروني الأخرى غير متطورة بشكل كافٍ، والشيكات لا تناسب جميع المعاملات اليومية الصغيرة.

كما يؤدي عدم وجود تعليمات موحدة حول الحدود الدنيا إلى تطبيق متفاوت وعشوائي من قبل البنوك، مما يخلق ارتباكًا وعدم مساواة بين التجار.

يتجسد جوهر الأزمة في التناقض بين الشرعية والضرورة من ناحية، و القسوة ونقص التحضير من ناحية أخرى، من حيث الجوهر: القرار ضروري لمحاربة الاقتصاد الخفي وزيادة الإيرادات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد، ولا يمكن انتقاد نيته. إنه خطوة باتجاه نظام مالي أكثر شفافية.

أما من حيث الشكل والتوقيت: القرار يبدو “قاسيًا” و “فجائيًا”، فمنح شهر واحد فقط للانتقال في اقتصاد لا يزال يعتمد بشكل هائل على النقد يعتبر مهلة غير واقعية وقد تسبب اضطرابات خطيرة.

كما أن تزامنه مع احتجاجات قطاع النقل وأزمة ارتفاع أسعار الوقود والسلع يضاعف من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية ويهدد بحدوث شلل تدريجي.

خلاصة القول، قرار بنك الجزائر هو محاولة جذرية لمعالجة أمراض هيكلية مزمنة (الاقتصاد غير الرسمي، غسل الأموال، ضعف الإيرادات الضريبية).

ومع ذلك، فإن نجاحه مرهون بمعالجة التناقض الأساسي: كيف يمكن فرض انضباط مالي صارم دون تعطيل النشاط الاقتصادي في بلد لا تزال فيه النقود هي الملك؟ المخاطر الحالية هي دفع جزء من النشاط الاقتصادي إلى مزيد من السرية، أو التسبب في ركود مؤقت.

يتطلب الحل ليس فقط التطبيق الصارم، بل أيضًا تسريع شامل للشمول المالي وتوفير بدائل دفع عملية وميسورة التكلفة للجميع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *