آخر تابو: “الحركى” الذين بقوا في الجزائر بعد “الاستقلال” لضمان تأصيل الاستعمار الفرنسي
عبدالقادر كتـــرة
“آخر تابو (محرم)””Le dernier Tabou” هو كتاب تحقيقي للصحفي “بيير دوم”، يستكشف المصير المجهول لغالبية “الحركييين” او “الحركى” (الجزائريين الذين خدموا في صفوف الجيش الفرنسي أثناء حرب التحرير) الذين بقوا في الجزائر بعد الاستقلال عام 1962.
يتحدى الكتاب الفكرة الشائعة القائلة بأن جميع الحركي إما تم إعادتهم إلى فرنسا أو تعرضوا للمجازر، ويكشف أن أعدادًا كبيرة منهم استمروا في العيش في الجزائر، غالبًا في ظروف صعبة وهم مهمشون اجتماعيًا ومنهم من نجح ووصل إلى هرم السلطة ولا زال يدين بالولاء لمن صنعوه.
موضوع الكتاب عبارة عن تحقيق وجمع لشهادات حول مصير الحركي الذين بقوا في الجزائر، وهو موضوع ظلَّ طويلاً من المواضيع المسكوت عنها.
عنوان الكتاب بالفرنسية: Le Dernier Tabou. Les “harkis” restés en Algérie après l’indépendance” تمزنشره في سنة 2015، اتبع مؤلفه منهجية “تحقيق ميداني واستنطاق شهادات حية”، ويتحدى الكتاب الرواية السائدة حول مصير الحركى بعد حرب الاستقلال الجزائرية.
يركز الكتاب على فئة “الحركى” – وهو مصطلح عام يشمل الجزائريين المسلمين الذين عملوا ضمن الجيش الفرنسي بأشكال مختلفة (كمكملين أو جنود نظاميين أو موالين مدنيين) أثناء حرب التحرير (1954-1962).
الفكرة المركزية التي يطرحها الكتاب هي تفنيد الرواية السائدة التي تقول إن مصير هؤلاء بعد اتفاقيات إيفيان عام 1962 كان محدودًا بخيارين: إما الهروب إلى فرنسا أو التعرض للمجازر.
من خلال تحقيق استمر عامين وجمع حوالي ستين شهادة من حركى سابقين لا يزالون يعيشون في مختلف أنحاء الجزائر، يخلص المؤلف إلى أن غالبية الحركى لم تُقتل، بل عاشت وبقيت في الجزائر طوال نصف قرن.
ويشير الإحصائيات إلى أن العدد الإجمالي للحركى البالغين كان حوالي 450,000 رجل.
وتظهر الشهادات أن دوافع الانضمام للجانب الفرنسي كانت في كثير من الأحيان اقتصادية (العمل والرزق) أو ظرفية، وليست بالضرورة إيديولوجية أو بدافع “الولاء لفرنسا”.
يعترف الكتاب بمصير الحركى بعد 1962، بالتعرض للعنف والسجن والتعذيب والإهانة، لكنه يؤكد أن الأغلبية العظمى نَجَت وعادت إلى قراها، وعاشت حياة صعبة لكنها مستقرة نسبيًا، وأسست عائلات، ومنهم مسؤولون رفيع المستوى في السلطة العسكرية والمدنية ويمتلكون الجنسية الفرنسية ولهم عقارات ومتلكات ومشاريع في فرنسا فيما أسرهم وأبناؤهم يعيشون حياتهم في أوروبا وبلاد المستعمر معززين مكرمين .
الواقع الحالي يوضح أن بعض أبناء الحركى في الجزائر المعاصرة يعانون من التمييز والوصم، مما يحرمهم من فرص العمل والترقيات في مجتمع تسيطر عليه شبكات المحسوبية (“المعرفة”).
يعتبر هذا الكتاب إضافة مثيرة للجدل للذاكرة الجماعية حول الحرب، ويمكن تحليله من عدة زوايا:
1. كسر الصورة النمطية و”التابو”:
– في الجزائر: يلمس الكتاب تابوًا مزدوجًا. فوجود حركى ناجين وعائدين يتعارض مع الرواية الوطنية الرسمية التي تصور الشعب الجزائري ككتلة متحدة خلف جبهة التحرير الوطني. كما أن الاعتراف بهم كضحايا لاحقين يتعارض مع توصيفهم كـ”خونة” فقط.
– في فرنسا: يتحدى السردية السائدة داخل المجتمع الفرنسي وبين أبناء الحركى، والتي ترتكز على ثالوث “الولاء، ثم التخلي، ثم المذبحة”. طرح فكرة “الناجين” يعقد هذا السرد ويطرح أسئلة جديدة حول طبيعة المسؤولية.
2. منهجية “التاريخ الشفوي” وأهميتها:
الكتاب ليس دراسة تاريخية أكاديمية تقليدية بقدر ما هو تحقيق صحفي يعتمد على التاريخ الشفوي. قوته تكمن في إعطاء الصوت للضحايا الصامتين الذين ظلوا لعقود خارج الروايتين الرسميتين الجزائرية والفرنسية. هذه الشهادات تكشف تعقيد الواقع وتفكك التبسيط الإيديولوجي.
3. ردود الفعل والجدل: تسبب الكتاب في إثارة جدل، خاصة في الجزائر. فقد شكك وزير المجاهدين الجزائري آنذاك، الطيب زيتوني، في أرقامه ووقائعه، واعتبر ذلك “تأويلاً أجنبياً”. هذا يظهر مدى حساسية الموضوع سياسيًا واستمرار استخدامه في الصراعات حول الذاكرة.
4. نقاط للتفكير والنقد:
– تعميم المصطلح: يستخدم الكتاب مصطلح “حركى” بشكل عام، رغم أن الظاهرة شملت فئات مختلفة (مكملون، جنود نظاميون، إلخ). هذا قد يطمس الفروقات الهامة.
– عدم إنكار المعاناة: طرح فكرة “الناجين” لا يعني التقليل من فظائع ما حدث. فالكتاب نفسه يذكر العنف والسجن والوصم الاجتماعي الذي عانوا منه هم وأبناؤهم.
– رؤية النظام الاستعماري: يضع المؤلف معاناة الحركى في الإطار الأوسع لنظام استعماري قمعي دام 132 عامًا، مؤكدًا أنهم كانوا في النهاية ضحايا أخيرة لهذا الماضي الذي لم تندمل جروحه على الضفتين.
خلاصة القول، كتاب “آخر تابو” لمؤلفه “بيير دوم” محاولة جريئة لكسر الصمت حول فصل مُغيّب من تاريخ الجزائر وفرنسا. من خلال الشهادات الحية، يدفع القارئ إلى التفكير إلى أبعد من ذلك، السرديات البسيطة حول الخيانة أو الولاء، والغدر أو التخلي.
يسلط الضوء على التعقيد البشري في سياق الحرب، والعواقب الطويلة الأمد للاستعمار على الأفراد والمجتمعات.
بغض النظر عن درجة اتفاق المرء مع استنتاجاته، فإن الكتاب يفتح نافذة ضرورية لفهم أكثر دقة لتاريخ مشترك لا يزال مؤلماً حتى اليوم.

