إعلان استقلال القبائل: السلطات الفرنسية تمنع حفل تنظيم مراسيم إعلان استقلال منطقة القبائل والحركة تتشبث بإعلانه

إعلان استقلال القبائل: السلطات الفرنسية تمنع حفل تنظيم مراسيم إعلان استقلال منطقة القبائل والحركة تتشبث بإعلانه

عبدالقادر كتـــرة

أصدرت محافظة “إيفلين” قرارًا يحظر إقامة مراسيم إعلان استقلال منطقة القبائل الذي تنظمها “الحركة من أجل تقرير مصير القبائل” (MAK)، يوم الأحد 14 دجنبر، في قصر مؤتمرات فرساي بالعاصمةالفرنسية “باريس”، وفق ما أعلنته لجنة تنظيم هذا الحدث يوم السبت 13دجنبر 2025.

من جهتها عينت “الحركة من أجل تقرير مصير القبائل (MAK)” محامين للطعن في قرار السلطات الفرنسية وأصدرت بيانا جاءت فيه: “اطلعت لجنة تنظيم إعلان استقلال منطقة القبائل، مع الأسف، على القرار الصادر عن محافظة يلينيس بمنع الحفل الذي كان مقررًا يوم الأحد 14 ديسمبر 2025 في قصر مؤتمرات فرساي”، كما ورد في البيان. وأوضح محررو البيان أن المحافظة بررت قرار المنع بـ”أسباب أمنية”. وفي حين تشكك في وجود ضغوط من الجزائر، أعلنت اللجنة أنها رفعت دعوى قضائية عاجلة للطعن في هذا القرار.

“فيما تأخذ اللجنة علماً بهذا التبرير، فإنها تعرب عن تحفظاتها الجدية بشأن الطبيعة الحقيقية لهذه المبررات، التي قد تنتج عن ضغوط مارستها السلطات الجزائرية. ووفقاً للأحكام القانونية السارية، تم رفع دعوى عاجلة للحصول على وقف تنفيذ هذا القرار طارئاً”، كما أعلن في نفس البيان.

في انتظار رد من المحكمة الإدارية، يؤكد منظمو هذا الحدث التاريخي عزمهم على المضي قدماً في حفل إعلان استقلال منطقة القبائل. “إذا ألغت القضاء الإداري القرار، فسيتم الحفل كما هو مقرر أصلاً.

وفي حال عدم الإلغاء، سيتم إعلان استقلال منطقة القبائل يوم الأحد، بشكل محدود وفي مكان غير معلن. وسيتم بثه علناً على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بنا بدءاً من الساعة 18:00″، كما وعدوا.

وبالتالي، في مواجهة هذا القرار غير المتوقع من محافظة “إفلين”، تعلن “الحركة من أجل تقرير مصير القبائل” (MAK) أن “موعد الشعب القبائلي مع إعلان استقلاله باقٍ”.

منطقة القبائل (Kabylie)، منطقة جغرافية وثقافية في شمال الجزائر، يسكنها غالبية أمازيغية (بربرية)، لها تاريخ طويل من المطالبة بالاعتراف بالهوية واللغة الأمازيغية. المطالبات السياسية تتراوح بين الحكم الذاتي والاستقلال التام.

تأسست عام 2001، تعرف نفسها كحركة سياسية سلمية تدعو إلى تقرير المصير لشعب القبائل. تصنفها السلطات الجزائرية كمنظمة “إرهابية” وتتهمها بالعمل لزعزعة وحدة التراب الوطني.

العلاقات الجزائرية-الفرنسية معقدة يتخللها تاريخ استعماري وحساسيات سياسية، حيث تمارس الجزائر دورًا دبلوماسيًا نشطًا ضد أي أنشطة تعتبرها تهديدًا لوحدة أراضيها، خاصة في الدول الأوروبية حيث يوجد نشاط للشتات القبائلي.

قرار المحافظة الفرنسية بمنع نشاط الحركة القبائلية بقصر “فيرساي” يستند رسميًا إلى “أسباب أمنية”، وهو سبب شائع في القانون الفرنسي لإلغاء أو منع التجمعات التي قد تشكل خطراً على النظام العام أو سلامة الأشخاص.

وإجراء “المراجعة القضائية العاجلة (référé-liberté)” هو إجراء سريع في القانون الإداري الفرنسي يهدف إلى وقف قرار يعتبره الطاعن انتهاكاً جسيماً لحريات أساسية.

من جهتها، تتهم MAK السلطات الجزائرية بممارسة ضغوط يدخل في إطار التوتر الدائم بين نشطاء القبائل في الخارج والحكومة الجزائرية.

أما قرار فرنسا فيعكس حساسية موقفها، فهي ترغب في الحفاظ على حرية التعبير والتجمع على أراضيها، وفي نفس الوقت لا تريد تعريض علاقاتها مع الجزائر، شريك استراتيجي في منطقة الساحل ومصدر للطاقة، للخطر.

من جهة ثانية، تستخدم الحركة القبائلية التي تنشط في المنفى بفرنسا، إستراتيجية واضحة بتنظيم حدث رمزي كبير في مكان مرموق (فرساي) لجذب الانتباه الدولي، مع الاستعداد لخطة بديلة (البث المباشر) لضمان استمرار الحدث رغم المنع، ونقل الصراع إلى الساحة الإعلامية والرقمية يعوض عن غياب القدرة على الفعل الميداني داخل الجزائر، حيث تكون الحركة مقموعة بشدة.

هذا الحادث ليس مجرد خلاف حول ترخيص تجمع، بل هو تجلي لصراع هوياتي وسياسي عميق.

من ناحية، هناك إصرار جزء من الشعب القبائلي، خاصة في الشتات، على المطالبة بحقه في تقرير المصير، مستفيداً من الحريات المتاحة في الديمقراطيات الغربية.

ومن ناحية أخرى، هناك تمسك الدولة الجزائرية، بكل رمزيتها القومية التي تشكلت بعد حرب تحرير دامية ضد الاستعمار الفرنسي، بمبدأ “الوحدة الترابية” الذي يعتبر خطاً أحمر.

موقف فرنسا هنا صعب. فهي بين مطرقة التزامها بالقيم الديمقراطية (حرية التعبير والتجمع) وسندان مصالحها الإستراتيجية وعلاقتها المعقدة مع الجزائر. قرار المنع، حتى لو كان مبرراً بأسباب أمنية شكلية، يظهر أن الاعتبارات الدبلوماسية والعلاقات الثنائية قد تطغى في الميزان.

في النهاية، بينما من غير المرجح أن يؤدي هذا الحادث وحده إلى تغيير الواقع على الأرض في الجزائر، إلا أنه يؤكد أن “المسألة القبائلية” ستظل نقطة احتكاك مستمرة في السياسة الجزائرية والدبلوماسية الفرنسية-الجزائرية، وأحد رواسب التاريخ التي ترفض الاندثار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *