فرنسا ترفض دفع إيجارات وتصر على أن ممتلكاتها في الجزائر تخصها وتشغلها مثل العديد من العقارات بموجب اتفاقيات “إيفيان”
عبدالقادر كتـــرة
فرنسا ترفض دفع إيجارات وتصر على أنها ممتلكاتها في الجزائر وهي قضية تتعلق بنزاع تاريخي معقد بين فرنسا والجزائر حول “الممتلكات الاستعمارية” أو ما يُعرف بـ “أملاك الدولة” (domaines de l’État).
وفي التفاصيل استنادا إلى السياق التاريخي، بعد استقلال الجزائر عام 1962، تم التوقيع على اتفاقيات Évian التي نظمت عملية انتقال السلطة، وتناولت هذه الاتفاقيات وضع الممتلكات والعقارات التي كانت تديرها الإدارة الاستعمارية الفرنسية على الأراضي الجزائرية.
وتستند فرنسا إلى تفسيرها لهذه الاتفاقيات لتؤكد أن بعض هذه الممتلكات (مثل المباني الحكومية السابقة، والقواعد العسكرية، والأراضي) هي ملكية للدولة الفرنسية وليست للدولة الجزائرية. لذلك، ترفض دفع أي “إيجار” للجزائر لاستخدامها، معتبرة أنها تستخدم ما هو ملك لها أصلاً.
أما الجزائر فترى أن هذه الممتلكات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التراث الوطني الجزائري بعد الاستقلال، وأن الوجود الفرنسي فيها يتم بموجب ترتيبات ثنائية وليس بحق ملكية مطلق لفرنسا، وتطالب الجزائر بتسوية هذا الملف، الذي تعتبره من مخلفات الاستعمار.
هذه الضرة ليست مجرد قضية ديون أو إيجارات، بل هي قضية سياسية وقانونية عميقة الجذور تتعلق بتركة الحقبة الاستعمارية وتفسير الاتفاقيات الدولية الموقعة بين البلدين. وهي من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية.
فرنسا ترفض دفع إيجارات عن ممتلكات تستخدمها على الأراضي الجزائرية (مثل القنصليات والسفارة والمباني الإدارية السابقة)، وتصر على أن هذه العقارات تُمثل “أملاك دولة” فرنسية وليست جزائرية، مستندة في ذلك إلى تفسيرها لاتفاقيات إيفيان الموقعة عام 1962. من جهتها، تعتبر الجزائر أن هذه الممتلكات جزء من سيادتها الوطنية وتطالب فرنسا بالاعتراف بذلك والتخلي عن ادعاءات الملكية هذه، التي تُعد من مخلفات الحقبة الاستعمارية.
ومن الممتلكات التي تشغلها فرنسا وتصنفها ضمن ممتلكانها مثل المباني الدبلوماسية (السفارة، القنصليات) والمباني الإدارية القديمة التي كانت تستخدمها الحكومة الاستعمارية.
وتستند فرنسا إلى اتفاقيات إيفيان، وهو الجذر القانوني والتاريخي للمشكلة لكن الجزائر ترفض ادعاءات الملكية الفرنسية واعتبرها مساسًا بالسيادة وتركة استعمارية.
وسبق لوكالة الأنباء الجزائرية أن كشفت في مقال نشرته في مارس الماضي، أن وزارة الخارجية استدعت في بداية نفس الشهر، السفير الفرنسي لدى الجزائر “ستيفان روماتيه”، لإثارة قضية العقارات التي توفرها الجزائر لفرنسا.
ووصف المقال موضوع العقارات بأنه “قضية تجاهلتها باريس لفترة طويلة جدا، وأقل ما يقال عنها أنها تكشف عن عدم التكافؤ في المعاملة بين البلدين”.
ويأتي مقال وكالة الأنباء الرسمية ردّا على “اتهامات صدرت من اليمين الفرنسي المتطرف، تجاه الجزائر. بالاستفادة من المساعدات الفرنسية المزعومة، وعدم احترام الاتفاقيات الموقعة بين البلدين”.
وفي تفاصيل ما كشفته وكالة الأنباء:”يبلغ مجموع العقارات التي تشغلها فرنسا على الأراضي الجزائرية 61 عقارا بإيجارات زهيدة للغاية”.
“ومن بين هذه العقارات، مقر السفارة الفرنسية في الجزائر الذي يغطي مساحة شاسعة تبلغ 14 هكتارا، على مرتفعات الجزائر العاصمة، بإيجار زهيد جدا، لدرجة أنه لا يغطي حتى ثمن غرفة خادمة متواضعة في باريس”.
“أما مقر إقامة السفير الفرنسي، فهو يمتدّ على مساحة 4 هكتارات، ويتم تأجيره بالفرنك الرمزي. على أساس سعر إيجار لم يتغير منذ عام 1962 حتى غشت 2023. وهذا مجرد غيض من فيض”، يضيف المقال.
أحدثة الأمثلة النموذجية الصارخة التي تؤكد وتثبت ملكية فرنسيين، ما نشرته جريدة “الشرق الأوسط” في عددها ل11 يونيو 2023، وجاءت بخبر استعادة فرنسيين لأملاكهم تنفيذا لحكم قضائي بالافراغ لساكنيها الجزائريين.
وجاء في المقال “في يونيو (حزيران) من سنة 2016 أبلغت محكمة بوهران، كبرى مدن الغرب الجزائري، سكان عمارة بوسط المدينة بقرار إخلاء شققهم، بحجة أنها ملك لفرنسيين ولدا في الجزائر وغادراها في بداية الاستقلال. كما أطلق في العاصمة عدد من الفرنسيين إجراءات قضائية لاستعادة عمارة توجد في أكبر شوارع المدينة، يقيم بها منذ سنين أطر وزارة الخارجية الجزائرية.
ويطلق على أصحاب مسعى استعادة الأملاك العقارية، التي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1830 – 1962)، “الأقدام السوداء”، وهم فرنسيون ولدوا بالجزائر، لكنهم غادروها بعد إعلان نتائج استفتاء تقرير المصير الذي نظم في الثالث من يوليو (تموز) 1962، وقد ترك الآلاف منهم مباني وأراضي زراعية وشركات، صادرتها الحكومة الجزائرية الناشئة، واستولى عليها لاحقاً كبار المسؤولين آنذاك، شارك كثير منهم في حرب التحرير ضد الاستعمار. وقد أعطت الحكومة وقتها مهلة لـ”الأقدام السوداء” لتثبيت وتأكيد ملكيتهم للعقارات والأراضي، لكن عدداً قليلاً منهم تقيد بالإجراءات، حيث كانت الأغلبية تتخوف من الظروف الأمنية الجديدة التي دخلت فيها البلاد، بعد حرب ضروس دامت 7 سنوات، وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وقد نصت “اتفاقات إيفيان”، التي أفضت إلى الاستقلال، على أن كل فرنسي يمكنه أن يستعيد أملاكه في حال عاد بعد الاستقلال بفترة معينة، تحديداً حتى الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) 1963.”

