قناة “BFM TV” الفرنسية الإخبارية تقبر تحقيقا مزلزلا عن نظام الجزائر مقابل استثمارات لمالكها بـ5 مليارات يورو
عبدالقادر كتـــرة
كان من المقرر أن تبث قناة “BFM TV” الفرنسية الإخبارية، منذ 23 مايو الماضي، تحقيقاً استقصائياً حصرياً مدمراً بحق النظام الجزائري، مدعوماً بشهادات عديدة ومقاطع مصورة بكاميرا خفية داخل قنصلية الجزائر في كريتاي (باريس)، حيث يُتهم مسؤولوها الرئيسيون في فضيحة “أمير دز AMIR DZ”، حسب ما نشره الصحفي الاستقصائي الجزائري المعارض عبدو سمار، اللاجئ في فرنسا.
هذا التحقيق لم يُبث، حسب مفس المصدر ، ولا يزال حتى اليوم موضوع “إلغاء مريب” – إذ أن موعد بثه الجديد المقرر نهاية يونيو تم تأجيله لاحقاً دون تحديد تاريخ.
وفق مصادر جزائرية، فإن BFM TV “دفنت” التحقيق نتيجة قرار تم إبلاغها به من مليارديرها المالك “رودولف سعادة” (رئيس مجموعة الشحن CMA CGM)، الذي استقبله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شخصياً بقصر المرادية خلال زيارته للجزائر في 2 يونيو الجاري.
ولحماية مصالحه المالية الضخمة في الجزائر (واستثمارات مستقبلية تقدر بـ5 مليارات يورو)، فضّل مالك القناة “مراعاة مشاعر النظام الجزائري”.
بينما تبرر مصادر في القناة الفرنسية التأجيل بأنه “تجميد مؤقت” للتحقيق حول تدخلات النظام الجزائري في فرنسا، لشراء الوقت اللازم للتفاوض حول مقابلة حصرية مع الرئيس تبون، حسب الصحفي الجزائري عبدو سمار.
حسب المتعارف عليه، تأجيل البث مرتين (23 مايو → نهاية يونيو → غير محدد) | نمط غير طبيعي في التعامل مع مواد إخبارية عاجلة، والتوقيت المشبوه (بعد زيارة سعادة للجزائر مباشرة) | ارتباط زمني مريب بين الضغط السياسي والقرار التحريري، كما أن التناقض في الروايات (دفن التحقيق مقابل تفاوض للمقابلة) محاولة تضليل الرأي العام.
وأجمع المحللون على أن الضغوط الاقتصادية وراء تأجيل او إلغاء التحقيق مع العلم أن “مجموعة CMA CGM” تمتلك استثمارات حيوية في موانئ الجزائر (ميناء حجاج، ميناء جنجن)، وتخطط لاستثمار 5 مليارات يورو في مشاريع لوجستية وطاقية.
زيارة سعدي للقصر الرئاسي إشارة واضحة لمستوى التفاوض “رئيس دولة – رجل أعمال” (نادر في البروتوكول الدبلوماسي).
ويأتي هذا بعد التوتر الشديد الذي بلغ مداه بين فرنسا والنظام العسكري الجزائري نتيجة فضيحة محاولة اختطاف المؤثر الجزائري “أمير دز AMIR DZ”.
كما تجلت فضيحة فساد مرتبط بمنح تأشيرات جزائرية في فرنسا عبر شبكة غير قانونية تورط مسؤولون في قنصلية كريتاي + وسطاء مقربون من السلطة باستعمال تسجيلات كاميرا خفية تُظهر تورط مباشر للموظفين القنصليين.
هذه الفضيحة الاعلامية لها تداعيات المجسدة في “الصمت الإعلامي” وتعتبر “نموذجا خطيرا” حيث تحوّل وسائل إعلام كبرى إلى “أدوات مساومة” بين رأس المال والأنظمة كما تشجع أنظمة أخرى على ممارسة ضغوط مماثلة على وسائل إعلام أوروبية.
عملية خسيسة تقوض “مصداقية BFM TV” خاصة بعد تقاريرها الناقدة سابقاً لأنظمة كروسيا والصين.
هناك أسئلة تحتاج أجوبة وتوضيحاً: هل تمت مصادرة المواد الإخبارية (التسجيلات/الشهادات) أم أنها قابلة للنشر لاحقاً؟ وهل يوجد ضغط مباشر من الحكومة الفرنسية (المستفيدة من استثمارات سعادة)؟
وأي دور الجالية الجزائرية في فرنسا؟ وهل تقدمت بشكاوى قانونية ضد القنصلية؟
هذا الحادث يُظهر “الوجه الخفي للعولمة الإعلامية” حيث تصبح “الحرية التحريرية” رهينة للمعادلة “المصالح الاقتصادية > الحقيقة الصحفية”.
التعتيم على فضائح الفساد يُمثل انتصاراً للنخب الفاسدة على حساب المواطن في الجانبين: الجزائري الذي يُهاجر بطرق غير قانونية، والفرنسي الذي يُفقد ثقته في إعلام بلاده.

