عَقْلٌ فِي الزَّنْزَانَةِ: حِينَ تَجْعَلُ الدِّيكْتَاتُورِيَّةُ الْجَزَائِرِيَّةُ مِنَ الْكَفَاءَةِ الْعِلْمِيَّةِ “تَهْدِيداً لِلْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ”… كَيْفَ يَغْتَالُ النِّظَامُ الْجَزَائِرِيُّ عُلَمَاءَهُ لِيَحْكُمَ قَطِيعاً؟
عبدالقادر كتـــرة
في الدول التي تحترم نفسها وتقدر شعوبها، يُفرش السجاد الأحمر للخبراء والعلماء، وتُدفع لهم الملايين لتقديم دراسات جدوى تجنب ميزانية الدولة الانزلاق في مستنقعات المشاريع الفاشلة.
أما في الأنظمة الشمولية والديكتاتوريات العسكرية، فإن مصير الخبير الذي يجرؤ على استخدام الآلة الحاسبة وكشف الحقيقة هو الاعتقال، والمحاكمة، وأربع سنوات من السجن النافذ.
هذا ليس مشهداً من رواية بائسة خيالية، بل هو الواقع المرير الذي تعيشه الجزائر اليوم، والذي تجسد في الحكم القاسي والمروع الصادر بحق الخبير الاقتصادي جلول سلامة، لا لشيء سوى لأنه مارس واجبه الأكاديمي والوطني في نقد الجدوى الاقتصادية والفنية لمشروع منجم “غار جبيلات”.
بنية النظام الشمولي: عسكرة الاقتصاد وتجريم العقل
إن سجن خبير اقتصادي بتهمة “المساس بالأمن العمومي” لمجرد تفكيكه بالأرقام والمعطيات لمشروع حكومي، يفضح الطبيعة الوحشية لنظام شمولي لا يرى في الدولة سوى ثكنة عسكرية واسعة.
في هذا العرف الاستبدادي، لا يُنظر إلى المواطن كشريك في بناء الوطن، بل كجندي مطيع؛ يُمنع عليه التفكير، ويُحرم عليه التساؤل، وواجبه الوحيد هو التصفيق للقرارات الفوقية، حتى وإن كانت تقود البلاد نحو الهاوية الاقتصادية.
النظام الديكتاتوري يعتاش على “البروباغندا” وصناعة الوهم. مشروع ضخم كـ”غار جبيلات”، بكل ما يحيط به من تحديات لوجستية معقدة (البعد الجغرافي، ونسب الفوسفور العالية في الخام)، يحتاج إلى نقاش مجتمعي وعلمي مفتوح. لكن السلطة الاستبدادية، التي تفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، تبحث دائماً عن “إنجازات وهمية” تسوقها للرأي العام. وعندما يخرج خبير بحجم جلول سلامة ليفسد هذه الحفلة التنكرية بحقائق الاقتصاد والأرقام، يتحول فوراً في نظر الآلة القمعية إلى “عدو للوطن” تجب تصفيته معنوياً وجسدياً بإلقائه في غياهب السجون.
سياسة التضبيع: صناعة القطيع وإبادة النخب
إن قضية الخبير جلول سلامة ليست حدثاً معزولاً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة ومنهجية لعملية “تجريف” كاملة للعقل الجزائري.
كيف لبلد أن يتقدم وهو ينفي سياسييه، ويطرد معارضيه، ويسكت أقلام كتابه، ويزج بعلمائه في الزنازين؟
إن الوحشية التي تتعامل بها السلطة مع النخب لا تعكس قوة، بل تعكس رعباً دفيناً من “الوعي”. النظام الشمولي يدرك تماماً أن النخب المفكرة هي حائط الصد الأول ضد الفساد المالي والهدر الاقتصادي. لذلك، يعمد إلى سياسة التجهيل والاستيلاب الممنهج، بهدف “تضبيع” المجتمع وتحويله إلى قطيع يُساق طواعية نحو مسالخ التخلف والفقر. عندما يُسجن العالِم ليكون عبرة لغيره، تُخلق حالة من الرقابة الذاتية القاتلة، فيصمت الأكاديمي خوفاً، ويغادر الباحث وطنه هرباً، وتبقى الساحة فارغة للمطبلين والانتهازيين الذين يبصمون على كل قرار كارثي.
قوانين القمع: العدالة كأداة انتقام
من أشد تجليات هذه الديكتاتورية بشاعةً هو تحويل القضاء إلى عصا غليظة لمعاقبة الفكر. استخدام المادة 196 مكرر من قانون العقوبات — التي تتحدث عن نشر الأخبار الكاذبة — لتجريم “تحليل اقتصادي فني” هو اغتصاب صريح لمفهوم العدالة.
إن تجريم النقد الاقتصادي السلمي واعتباره “عرقلة للاستثمار” هو في الواقع أكبر عرقلة حقيقية لأي نمو. فأي مستثمر محلي أو أجنبي سيضع أمواله في بلد يُسجن فيه الخبراء لأنهم قدموا قراءة لواقع السوق أو انتقدوا مشروعاً حكومياً؟
خلاصة القول، المستقبل بين الحرية أو الانهيار
التاريخ يعلمنا، بلا استثناء، أن الأنظمة التي تعلن الحرب على عقول أبنائها تنتهي دائماً إلى الانهيار التام. لا يمكن بناء اقتصاد حديث، ولا يمكن تنويع مصادر الدخل خارج المحروقات، في ظل مناخ يخنقه الخوف وتديره العقلية الأمنية.
إن الإفراج الفوري عن الخبير جلول سلامة، ورد الاعتبار له ولكل أصحاب الرأي الحر، ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل البلاد. الجزائر اليوم تقف أمام مفترق طرق: إما الانعتاق نحو دولة المؤسسات والحريات حيث يُحترم العقل وتُقدس الكفاءة، وإما الاستمرار في نهج الشمولية والوحشية الذي لن يقود إلا إلى تصحر فكري وإفلاس اقتصادي شامل. الأوطان لا تُبنى بقرارات عسكرية صارمة، بل تُبنى بعقول حرة لا تخشى قول الحق.
بيان منظمة شعاع لحقوق الإنسان الجزائرية:
“الحكم على الخبير الاقتصادي جلول سلامة بأربع سنوات حبسًا نافذًا
أصدرت محكمة الدار البيضاء بالجزائر العاصمة، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، حكمًا في حق الخبير الاقتصادي جلول سلامة، يقضي بإدانته بـأربع سنوات حبسًا نافذًا وغرامة مالية، على خلفية تصريحات إعلامية وآراء وتحليلات اقتصادية تناول فيها مشروع استغلال منجم غار جبيلات.
وجاء الحكم عقب محاكمة جلول سلامة بعد تأجيل جلسته مرتين لأسباب صحية، حيث تمت متابعته بتهمة النشر والترويج العمدي لأخبار أو أنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور، من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام، طبقًا للمادة 196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري. وبحسب المعطيات المتعلقة بالقضية، جرى ربط هذه التهمة بادعاء «عرقلة الاستثمار قصد الإضرار بالاقتصاد الوطني».
وتعود القضية إلى تصريحات أدلى بها جلول سلامة عبر وسائل الإعلام، انتقد فيها طريقة إدارة مشروع استغلال منجم غار جبيلات، وتناول جوانبه الاقتصادية والفنية، بما في ذلك جودة خام الحديد وتكاليف الاستخراج والجدوى الاقتصادية للاستثمار. وقد أثارت هذه التصريحات نقاشًا حول المشروع قبل أن تصبح موضوعًا لمتابعة قضائية.
وكان جلول سلامة قد أُوقف يوم 24 جانفي 2026، قبل تقديمه أمام الجهات القضائية، حيث أمر قاضي التحقيق لدى محكمة الدار البيضاء، يوم الخميس 5 فيفري 2026، بإيداعه الحبس المؤقت، ليظل رهن الحبس إلى غاية محاكمته وصدور الحكم بحقه.
وتعتبر منظمة شعاع لحقوق الإنسان أن ملاحقة خبير اقتصادي بسبب إبداء آرائه المهنية وتحليلاته بشأن مشروع اقتصادي ذي أهمية وطنية تمس بحرية الرأي والتعبير وحرية البحث والنقاش العام حول السياسات الاقتصادية. وتؤكد المنظمة أن مناقشة الجدوى الاقتصادية للمشاريع العمومية وانتقاد طرق تسييرها يندرجان ضمن ممارسة مشروعة لحرية التعبير، ولا ينبغي أن يكونا سببًا للمتابعة الجنائية أو الحرمان من الحرية.
كما تؤكد منظمة شعاع لحقوق الإنسان أن تجريم النقد الاقتصادي السلمي قد كرّس مناخًا من الرقابة الذاتية، وحدّ من استقلالية الخبراء والباحثين والأكاديميين، وضيّق الفضاء المتاح للنقاش الحر والمشاركة في تقييم السياسات العمومية.
وتطالب منظمة شعاع لحقوق الإنسان بـالإفراج عن الخبير الاقتصادي جلول سلامة وإلغاء الحكم الصادر في حقه وإسقاط المتابعة القضائية المرتبطة بممارسته السلمية لحرية التعبير، مع ضمان عدم استخدام النصوص الجنائية لمعاقبة الآراء والتحليلات المهنية أو تقييد النقاش العام بشأن القضايا الاقتصادية ذات المصلحة العامة.”

