اَلصَّفْعَةُ التُّونِسِيَّةُ: تُونِسُ تَرْفُضُ دَوْرَ “الْكُومْبَارْس” وَتَفْضَحُ زَيْفَ السَّرْدِيَّةِ الْأَمْنِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ وَتُسْقِطُ مَسْرَحِيَّةَ “الـ 61 مُهَاجِراً” الرَّدِيئَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا نِظَامُ الْجَزَائِرِ
شككت الأجهزة الأمنية التونسية في الرواية و نفت أن تكون على علم بمرور مهاجرين مغاربة عبر الحدود بشكل غير قانوني، و رفضت أي توريط لتونس في هذه القضية، حيث أكدت بأن الحدود التونسية محمية بشكل جيد و أن مثل هذا الأمر يضرب في مصداقية الجيش التونسي و أجهزته التي تراقب الحدود، و طالبت تلك الأجهزة بأسماء المغاربة للتأكد من دخولهم الأراضي التونسية كما جاء في الرواية… لكن حتى حدود كتابة هذا المقال لم تتوصل الأجهزة الأمنية التونسية بأي لائحة…و الغريب أنه بأيام قليلة بعد هذا الترويج لخبر هذه “المؤامرة“، تمت إقالة وزير الداخلية “سعيد سعيود” من منصبه كوزير دولة بالداخلية، و تم تعيينه كوزير للنقل، و هو منصب أقل في محاولة لاحتواء الكوارث التي تسبب فيها…
يبدو أن آلة الدعاية التابعة للنظام العسكري الجزائري قد فقدت حتى الحد الأدنى من الحبكة الدرامية في صياغة سيناريوهاتها الأمنية. ففي أحدث فصول “مسرحيات التهديد الخارجي”، حاولت السلطات الجزائرية تسويق قصة هوليودية بطلها 61 مهاجراً مغربياً، ادعت أنهم تسللوا عبر الحدود التونسية وصولاً إلى مدينة وهران في أقصى الغرب الجزائري. غير أن المخرج الجزائري نسي أو تناسى أن تونس، بمؤسساتها الأمنية والعسكرية، ليست مستعدة للعب دور “الكومبارس” في مسرحية رديئة الإخراج تهدف إلى تصفية حسابات إقليمية.
حبكة غير منطقية وسيناريو مستحيل
قبل الغوص في الرد التونسي، يكفي طرح سؤال جغرافي ومنطقي بسيط لنسف الرواية الجزائرية من أساسها: كيف يمكن لـ 61 شخصاً أن يعبروا الحدود التونسية الجزائرية، ويقطعوا مئات الكيلومترات من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب (وهران)، مخترقين العشرات من الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش التابعة للجيش والدرك الجزائريين دون أن يلاحظهم أحد؟
هذا التناقض الصارخ جعل الرواية تولد ميتة، وكشف أن الهدف لم يكن محاربة هجرة غير نظامية، بل اختلاق حدث أمني للترويج لنظرية “الاستهداف الخارجي” التي يقتات عليها النظام في قصر المرادية.
الصفعة التونسية: رفض التوريط والدفاع عن السيادة
لم تتأخر الأجهزة الأمنية التونسية في قراءة ما بين سطور هذا الإعلان الجزائري المستفز.
الرد التونسي جاء حازماً، مهنياً، وقاطعاً؛ حيث عبرت السلطات التونسية عن تشكيكها الكامل في هذه الرواية، رافضة بشكل مطلق أي محاولة لتوريط أراضيها أو الزج باسمها في صراعات جارتها المفتعلة.
لقد رأت تونس في هذا الادعاء الجزائري مساساً مباشراً بمصداقية مؤسساتها، وطعناً مبطناً في كفاءة جيشها وحرس حدودها الذين يفرضون طوقاً أمنياً محكماً على المعابر.
لم تقف تونس عند حد النفي الدبلوماسي، بل انتقلت إلى الهجوم المضاد عبر خطوة عملية وبسيطة أسقطت ورقة التوت الأخيرة عن السردية الجزائرية: المطالبة بـ “لائحة الأسماء”.
“أعطونا الأسماء”.. المطلب الذي أخرس الدعاية بمنطق أمني صرف، طالبت الأجهزة التونسية نظيرتها الجزائرية بموافاة تونس بأسماء هؤلاء المغاربة الـ 61، وذلك للتحقق من هوياتهم والرجوع إلى السجلات الحدودية للتأكد مما إذا كانوا قد دخلوا الأراضي التونسية أصلاً، وكيف ومتى غادروها.
كان هذا المطلب بمثابة رصاصة الرحمة على المسرحية. فحتى لحظة كتابة هذه السطور، ابتلعت الأجهزة الجزائرية لسانها، وعجزت عن تقديم أي لائحة لتونس.
هذا العجز يمثل اعترافاً ضمنياً بأن قصة “العبور المنظم عبر تونس” لا توجد إلا في مخيلة من صاغ البيان الأول، وبأن الموقوفين مجرد مهاجرين سريين حاولوا ركوب قوارب الهجرة من وهران أو حرفيين مغاربة يشتغلون في الزليج والجبس والخشب، فتم استغلالهم في قصة تجسس ومؤامرة عابرة للحدود.
الإعلام التونسي يتبنى خط الدفاع عن السيادة لم تقتصر المواجهة على القنوات الرسمية والأمنية، بل شكل الإعلام التونسي المستقل جبهة موحدة لمساندة الموقف الرسمي الرافض للادعاءات الجزائرية.
تفاعلت الصحف والبرامج الحوارية في تونس باستنكار شديد مع الرواية، حيث اعتبرها المحللون والكتّاب تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية ومحاولة مكشوفة لإقحام تونس في التوترات الثنائية بين الجزائر والمغرب.
وشن صحفيون تونسيون هجوماً لاذعاً على ما وصفوه بـ “استسهال” الإدارة الجزائرية الزج باسم تونس في بياناتها الأمنية لتبرير إخفاقاتها، مؤكدين أن يقظة المؤسسة العسكرية والأمنية التونسية لا تقبل التشكيك ولا المزايدة.
وقد لعب هذا الاصطفاف الإعلامي دوراً حاسماً في تحصين الموقف السيادي التونسي، وتسليط الضوء على غياب الأدلة الملموسة، مما ضاعف من العزلة الإعلامية والسياسية للرواية الجزائرية.
التبعات: ارتداد السحر على الساحر
إن الموقف التونسي الصلب لم يكتفِ بتبديد اتهامات النظام العسكري الجزائري، بل عرى حالة التخبط التي يعيشها.
فبمجرد أن أدرك صناع القرار في الجزائر فداحة السقطة الدبلوماسية والأمنية، وحجم الإحراج الذي تسببوا فيه لأنفسهم أمام الجارة تونس، سارعوا إلى محاولة لملمة الفضيحة عبر التضحية ببعض المسؤولين.
وتجلى ذلك في الإقالة السريعة لوزير الداخلية، وتحجيم دوره بنقله إلى وزارة النقل، في خطوة كلاسيكية يحاول من خلالها النظام تبرئة القيادة العليا من هذا الخطأ الاستراتيجي الساذج.
ختاما، أثبتت هذه الحادثة أن تونس ترفض أن تكون حديقة خلفية لتمرير أجندات النظام العسكري الجزائري أو لتسويق أزماته المفتعلة. لقد تصرفت تونس بمنطق الدولة الواثقة في مؤسساتها، ووجهت رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى باختلاق الأعداء الوهميين، وأن الحدود التونسية لن تكون يوماً مسرحاً لتصدير الفشل الداخلي للجيران.

