رِيَاحُ التَّغْيِيرِ الْأُمَمِيَّةِ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ: عِنْدَمَا يَعْتَرِفُ أَحْمَدُ عَطَّافٍ ضِمْنِيًّا بِانْتِصَارِ مُقْتَرَحِ الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ الْمَغْرِبِيِّ… الْمِينُورْسُو نَحْوَ مَهَامَّ جَدِيدَةٍ وَالنِّظَامُ الْجَزَائِرِيُّ فِي زَاوِيَةِ الْعُزْلَةِ

رِيَاحُ التَّغْيِيرِ الْأُمَمِيَّةِ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ: عِنْدَمَا يَعْتَرِفُ أَحْمَدُ عَطَّافٍ ضِمْنِيًّا بِانْتِصَارِ مُقْتَرَحِ الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ الْمَغْرِبِيِّ… الْمِينُورْسُو نَحْوَ مَهَامَّ جَدِيدَةٍ وَالنِّظَامُ الْجَزَائِرِيُّ فِي زَاوِيَةِ الْعُزْلَةِ

عبدالقادر كتـــرة

في عالم الدبلوماسية، لا توجد كلمات تُقال عبثاً، وكل مصطلح يحمل في طياته دلالات سياسية واستراتيجية عميقة.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بمناسبة “اليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية”، لتشكل ما يشبه “الزلزال السياسي” الذي فضح حجم التخبط والإفلاس الذي تعيشه دبلوماسية قصر المرادية، خاصة فيما يتعلق بملف الصحراء المغربية.

لم تكن تصريحات عطاف مجرد زلة لسان، بل كانت اعترافاً ضمنياً ومكشوفاً بالهزيمة الاستراتيجية أمام الانتصارات الدبلوماسية المغربية المتتالية.

فبعد عقود من التمسك الأعمى بأسطوانة “تقرير المصير” ودعم الانفصال، فاجأ عطاف الجميع بالحديث عن ضرورة التوصل إلى “حل سياسي يقبله الطرفان”، بل واستخدم مصطلح “الحل الوسط”.

هذا التراجع الجذري في الخطاب ليس سوى انعكاس لإدراك متأخر بأن القطار الأممي قد تجاوز محطة “الاستفتاء” الوهمية، وأن المجتمع الدولي بات مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بواقعية وجدية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

سقوط الأقنعة: دماء الجزائريين على مذبح التحالفات المشبوهة

التخبط الجزائري لم يقتصر على التراجع في الخطاب حول الصحراء المغربية، بل امتد ليشمل فضيحة أخلاقية وسياسية مدوية.

ففي الوقت الذي تتشدق فيه الخارجية الجزائرية بالدفاع عن حقوق الشعوب، التزمت صمتاً مطبقاً ومخزياً تجاه قتلة مواطنة جزائرية سقطت ضحية هجوم إرهابي شنته ميليشيا الحوثي على مطار أبها المدني بالسعودية.

رغم أن الحوثيين تبنوا الهجوم صراحة، ورغم إدانتهم من قبل دول عربية عديدة (بما فيها لبنان الذي يعاني من سطوة حزب الله)، اكتفت الخارجية الجزائرية ببيان تعزية باهت، تهربت فيه تماماً من تسمية “الحوثيين” كجهة منفذة. هذا الموقف المتخاذل فضح أمام العالم، وأمام الداخل الجزائري أولاً، ارتهان القرار السيادي الجزائري لـ “محور طهران”.

إن خوف النظام الجزائري من إغضاب إيران – الداعم الرئيسي للبوليساريو عسكرياً – جعله يفضل التستر على قتلة أبنائه، مما يثبت أن دماء الجزائريين أصبحت رخيصة في بورصة التحالفات المشبوهة للجنرالات.

“المينورسو” نحو مهام جديدة: نهاية حقبة الأوهام

بالتوازي مع هذا التخبط الدبلوماسي الجزائري، يشهد مسرح الأمم المتحدة تحركات حاسمة تنذر بنهاية حقبة الأوهام الانفصالية.

التحركات الأمريكية الأخيرة لجمع خبراء لمناقشة مستقبل بعثة “المينورسو”، قبل جلسة مجلس الأمن المرتقبة، ليست مجرد إجراء روتيني.

إنها خطوة استراتيجية تؤكد أن مهام البعثة بصيغتها الحالية – والتي تحمل اسماً ارتبط بـ “الاستفتاء” – قد تجاوزها الزمن والواقع.

مع التوجه الدولي المتزايد، بقيادة واشنطن (صاحبة القلم في صياغة قرارات مجلس الأمن حول الصحراء)، نحو دعم “العملية السياسية” الواقعية، بات من شبه المؤكد أن مهام المينورسو ستشهد تكييفاً جذرياً.

هذا التكييف سيقبر نهائياً مصطلح “الاستفتاء”، ليوجه بوصلة البعثة نحو دعم الحلول السياسية المتوافقة مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية، أو على الأقل، تقليص مهامها لمجرد مراقبة وقف إطلاق النار.

الخلاصة: عزلة تتسع ونظام يتآكل

إن التغيير المفاجئ في لغة وزير الخارجية الجزائري، ومحاولته إيجاد “حل وسط”، ليس دليلاً على حنكة سياسية، بل هو رقصة المذبوح الدبلوماسية.

النظام الجزائري يدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أنه خسر الرهان. لقد بدد مئات المليارات من أموال الشعب الجزائري على كيان وهمي، ليجد نفسه في النهاية معزولاً دولياً، ومحاصراً داخلياً بصراعات أجنحة دموية (كما تشهد التغييرات العاصفة والاعتقالات في صفوف كبار قادة الدرك الوطني).

ملف الصحراء المغربية حُسم على الأرض، وها هو يُحسم تباعاً في أروقة الأمم المتحدة والعواصم الكبرى. وما تخبط أحمد عطاف وفضائح خارجيته إلا صدى لانهيار مشروع انفصالي استُخدم لعقود كأداة لتصريف الأزمات الداخلية للنظام الجزائري، وهو النظام الذي يبدو أنه يغرق اليوم في

بحر تناقضاته وعزلته.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *