الشَّرْقُ الْأَوْسَطُ عَلَى فُوَّهَةِ بُرْكَانٍ: حِسَابَاتُ الرَّدْعِ الْإِيرَانِيَّةُ وَمَخَاطِرُ الِانْزِلَاقِ إِلَى حَرْبٍ شَامِلَةٍ… خَنَادِقُ إِيرَانَ النَّوَوِيَّةُ وَتَهْدِيدَاتٌ تَطَالُ أَمْنَ الطَّاقَةِ فِي الْخَلِيجِ
عبدالقادر كتـــرة
لم يعد التوتر المحيط بالملف الإيراني مجرد حرب تصريحات دبلوماسية أو مناورات ردع روتينية؛ بل دخل طوراً عسكرياً وبالغ الخطورة يعكس قناعة راسخة لدى القيادة الإيرانية باقتراب مواجهة عسكرية جديدة ومباشرة مع الولايات المتحدة.
تترجم طهران هذه المخاوف عملياً عبر تحصين منشآتها النووية الأكثر حساسية، وإطلاق تعبئة داخلية واسعة النطاق تُهيئ الشارع والمنظومة العامة للعودة إلى أجواء القتال المباشر. غير أن البُعد الأكثر إثارة للقلق لا يكمن فقط في الإجراءات الدفاعية الذاتية، بل في التهديدات الصريحة والضمنية التي توجهها إيران إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة، ملوحةً برد غير مسبوق في قسوته واتساعه الجغرافي.
استراتيجية الخنادق والتعبئة الشاملة
تشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران تسابق الزمن لتأمين بنيتها التحتية الاستراتيجية. تتجاوز هذه الاستعدادات فكرة حماية المنشآت العادية إلى نقل مفاصل البرنامج النووي، مثل مجمعات “ناتانز” ومواقع تحت سلاسل الجبال، إلى أعماق تزيد صعوبة أي ضربة جوية محتملة.
بالتوازي مع هذه التحصينات الهندسية، تعمل الماكينة الإعلامية والسياسية في طهران على شحن الجبهة الداخلية، وتحويل الخطاب العام نحو الاستنفار لمواجهة أخطار وجودية؛ في محاولة مزدوجة لترميم التماسك الداخلي وإرسال رسالة ردع حاسمة مفادها أن تكلفة أي هجوم ستكون حرباً استنزافية مفتوحة.
هذه العسكرة المتسارعة ليست مجرد استعداد تقني، بل هي عقيدة تعتبر أن بناء جدار دفاعي صلب وإظهار الجاهزية للقتال هما السبيل الوحيد لإقناع الإدارة الأمريكية بصرف النظر عن أي خيار عسكري استباقي.
نقل المعركة أفقياً: دول الخليج في خط النار
الخطورة الأكبر في هذا المشهد تكمن في نظرية “الرد الأفقي” التي تتبناها طهران. فرسائل المسؤولين الإيرانيين في القنوات العلنية والمغلقة تشير بوضوح إلى أن أي ضربة عسكرية تتلقاها إيران لن تواجه برد محصور داخل الحدود، بل ستفجر شرارة صراع يشمل الشرق الأوسط بأكمله، مع استهداف مباشر للمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج العربي.
إن اعتبار دول الجوار كأهداف محتملة ليس مجرد ورقة ضغط دبلوماسية، بل هو محاولة لرفع كلفة أي قرار عسكري تتخذه واشنطن؛ من خلال وضع حلفائها الإقليميين في فوهة المدفعية الإيرانية وشبكات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
هذا النهج يضاعف احتمالات الخطأ في الحسابات، ويجعل أمن المنشآت الحيوية، والمطارات، والموانئ، وشرايين الملاحة في الخليج مهددة بصورة غير مسبوقة.
تداعيات التصعيد على السعودية واستقرار الطاقة
بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، يحمل هذا التصعيد تهديدات مباشرة ومفصلية:
– استهداف البنية التحتية النفطية: تبقى منشآت الطاقة والموانئ التصديرية الهدف الأكثر إغراءً لأي رد انتقامي إيراني غير متكافئ، وهو ما يعيد إلى الأذهان سيناريوهات شلل الإمدادات النفطية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد.
– تهديد المشاريع الاقتصادية والتحول التنموي: تخوض دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، سباقاً تنموياً استثنائياً يتطلب بيئة إقليمية مستقرة لجذب الاستثمارات العالمية؛ وأي تصعيد مسلح يهدد بتعطيل خطط التنمية الاقتصادية الشاملة وجر المنطقة إلى اقتصاديات الحروب.
– تعقيد المسار الدبلوماسي: تقف الدبلوماسية الخليجية أمام معادلة حرجة؛ تتمثل في موازنة علاقاتها الأمنية مع الحليف الأمريكي، والحرص على عدم تحويل أراضيها إلى منصات انطلاق لأي هجوم، مع الإبقاء على قنوات التهدئة الإقليمية مفتوحة لتفادي دفع الثمن الأكبر في صراع لم تختره.
إن تحصين المنشآت الإيرانية وحشد الداخل لا يمثل مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل يدشن مرحلة دقيقة تتلاشى فيها هوامش الخطأ. عندما تقرر دولة بحجم إيران أن تضع كامل ترسانتها وشعبها في حالة ترقب للقتال مع التلويح بإحراق محيطها الإقليمي كأداة ردع، فإن أدنى سوء تقدير استخباراتي أو احتكاك عسكري غير محسوب قد يشعل فتيل حرب إقليمية واسعة، ستكون كلفة احتوائها باهظة على أمن العالم واقتصاده لسنوات طويلة.

