مَاذَا يُخَرِّبُونَ فِي الْخَرَابِ؟ قِرَاءَةٌ فِي مَسْرَحِيَّةِ الـ 61 مَغْرِبِيًّا بِالْجَزَائِرِ: مِن مُشَيِّدِي الْقُصُورِ إِلَى مُتَّهَمِينَ بِالتَّخْرِيبِ: التَّوْظِيفُ السِّيَاسِيُّ لِمُعَانَاةِ الْعُمَّالِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي الْجَزَائِرِ
عبدالقادر كتـــرة
من الغباء أن يصدق المرء مسرحية النظام العسكري الجزائري الرديئة والغبية والبليدة والساذجة والتي لا يصدقعا حتى الأطفال الذين يصدقون جكايات الرسوم المتحركة الكرتونية ويتابعونها بشغف. .. مسرحية إلقاء القبض على 61 مغربي ضمنهم عسكري ركبوا الطائرات (يعلم الله عددها) من الرباط أو الدارالبيضاء، والله أعلم، ونزلوا بالعاصمة التونسية واستقلوا حافلات إلى الحدود مع الجزائر ودخلوا من تونس إلى الجزائر وعبروا الجزائر كلها جبالا ووديانا وطرقات وعرة وحقولا يابسة وصحاري من الرمال وغابات محروقة ليصلوا إلى وهران بدل الدخول عبر الحدود الشرقية لمغرب الملامسة للحدود الغربية للجزائر…
ثم يجتمعون في مكان ما ولست أدري كيف وصلوا وكيف تواصلوا وكم يوما قضوا في رحلتهم البطولية أو الكولومبية وبأي أسلحة هم مسلحون، بالفؤوس والمعاول والمجرفات والحفارات أو بالآلات من المدرعات والجرارات و…و…
وماذا كان هدفهم ومخططهم …؟ عمليات التخريب..
لكن السؤال الوجيه والأساسي: ماذا، بالله عليكم، يخربون في الجزائر؟
ماذا يخربون في الخراب..؟ ماذا يخربون في بلد كله خراب: غابات محروقة، ومدن التهمتها الفيضانات وتخترقها قنوات الصرف الصحي وتملأ أركانها أطنان من الأزبال .. وعمارات وبيوت خربة مهدومة تتساقط مثل أوراق الشجر…وطرقات محفورة مدمرة تزبنها أعمدة وسطها تسجل يوميا مئات الضحايا…شعب يجوع ويأكل من القمامات وعطش ويشرب ماء ملوثا وينام في الارصفة ويركب قوارب الموت. .أسعار مواد أساسية ملتهبة وأخرى مفقودة. . وطوابير لا متناهية على نصف لتر زيت أو حليب أو جرعة ماء ، قنينة غاز مفقودة ومناطق لا تعرف الكهرباء ولا الماء…..ولائحة المآسي والمعاناة والضيق والحرمان طويلة..
ولو أراد أي كان أن توكل له مهمة تخريب هذا البلد، لصرح أنه لن ينجح في تخريب هذا الخراب الذي خربه أصحابه….
فكيف ل61 مغربي ألقي عليهم القبض ظلما وعدوانا أن يجتمعوا ويتفقوا ويشدوا الرحال من ديارهم إل ديار جزائرية لتخريبها وهي خربة…
عهدنا أن المغاربة الذين ينتقلون إلى الجزائر أغلبهم حرفيون، منذ عشرات السنين ، بدعوات ملحة وتحفيزات مالية من مسؤولين جزائريين، لينصتوا لهم قصورا مزخرفة والتراث التقليدي الملكي المغربي…وفي قصر المشور ومسجد الامير عبدالقادر ومنبره المهدى له من طرف الملك الراحل الحسن الثاني بطلب من الرئيس الهواري بومدين، وترميم قصر المشور من طرف الحرفيين المغاربة بطلب من الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة….
من عادات المغاربة ومهارتهم البناء والتشييد وليس التخريب الذي هو من اختصاص جنرالات عسكر الجزائر …
في مشاهد عبثية تذكرنا بأنواع الإنتاج السينمائي، وأكثرها استخفافاً بعقول المشاهدين، خرجت علينا الآلة الدعائية للنظام الجزائري برواية جديدة، بطلتها هذه المرة مجموعة من 61 مغربياً، تم تقديمهم كشبكة منظمة تهدف إلى “تخريب” البلاد. إنها مسرحية تفتقر إلى أبسط مقومات الحبكة والمنطق، ولا يمكن أن يصدقها حتى الأطفال المعتادون على قصص الخيال العلمي.
لنتوقف قليلاً عند التفاصيل اللوجستية التي تحاول هذه الرواية تسويقها. كيف يُعقل، في بلد تُنفق فيه مليارات الدولارات على التسلح والأمن، ويخضع لحراسة عسكرية مشددة، أن تتمكن مجموعة مكونة من 61 شخصاً من التسلل من الحدود الشرقية (تونس)، وعبور البلاد بأكملها، جبالاً وودياناً وطرقاً وغابات، مسافة تتجاوز الألف كيلومتر، وصولاً إلى وهران في أقصى الغرب الجزائري، دون أن ترصدهم رادارات أو توقفهم حواجز أمنية؟ كيف تم التنسيق بينهم؟ أين اجتمعوا؟ وبأي أدوات ومعدات كانوا سيقومون بهذا التخريب المزعوم؟ هل كانوا يحملون فؤوساً ومجارف، أم جرارات ودبابات خفية؟
هذا الخلل البنيوي في الرواية يقودنا إلى السؤال الأهم والأكثر مرارة: ماذا، بالله عليكم، سيخرب هؤلاء في الجزائر؟
إن التخريب، كفعل منهجي، يستهدف عادة بنى تحتية متطورة، واقتصاداً مزدهراً، ومنشآت حيوية. لكن ماذا يمكن لأي “مخرب” أن يفعل في واقع يوصف أصلاً بالخراب؟ كيف تخرب غابات التهمتها الحرائق وتُركت رماداً؟ كيف تدمر مدناً تغرق مع أول قطرة مطر وتخترقها قنوات الصرف الصحي المكشوفة؟ ماذا ستستهدف في شوارع محفرة، وعمارات آيلة للسقوط، وطوابير لا متناهية من المواطنين المنهكين، يصطفون لساعات من أجل نصف لتر حليب، أو قنينة غاز، أو قطرة ماء صالحة للشرب في مناطق تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة؟
لو أوكلت مهمة “تخريب” هذا الواقع لأعتى الشبكات الإجرامية، لعادت أدراجها معترفة بالهزيمة، لأن أصحاب الشأن قد تكفلوا بالمهمة بنجاح باهر.
الحقيقة التي يحاول النظام الجزائري طمسها هي هوية هؤلاء الموقوفين الحقيقية. نحن لا نتحدث عن جواسيس مدربين، بل عن عمال وحرفيين مغاربة بسطاء، وصناع تقليديين (نقاشو جبس، صناع زليج، بناؤون) قادتهم لقمة العيش، ودعوات ملحة من مقاولين ومواطنين جزائريين، للعمل في الجزائر. هؤلاء هم أحفاد من شيدوا وزخرفوا قصر المشور بتلمسان، ومسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة، وغيرها من المعالم التي تشهد على مهارة يد الصانع المغربي التي لطالما طُلبت بالاسم من قبل كبار المسؤولين الجزائريين في الماضي.
إلى جانب الحرفيين، يتواجد شباب مغاربة قادتهم ظروف قاهرة لاتخاذ سواحل الغرب الجزائري (وهران أساساً) كنقطة عبور نحو أوروبا كـ”حراگة”، بحثاً عن حياة أفضل، تماماً كما يفعل الآلاف من الشباب الجزائري الذي يركب قوارب الموت هرباً من واقع مرير. مصادرة جوازات سفر أو مبالغ مالية بسيطة من هؤلاء لا يصنع منهم خلية إرهابية أو تخريبية، بل يكشف مدى الإفلاس الأخلاقي في استغلال مآسي المهاجرين البسطاء وتوظيفهم كحطب في أتون صراع سياسي مفتعل.
لماذا الآن؟ السياق الزمني يفضح كل شيء. هذه المسرحية ليست سوى محاولة بائسة لتبرير القرار السياسي الأخير القاضي بفرض التأشيرة على المغاربة بدعوى “اعتبارات أمنية”. كان النظام بحاجة ماسة إلى “دليل” على الأرض، مهما كان مفبركاً وساذجاً، لتسويغ خطابه العدائي المستمر، وصرف انتباه المواطن الجزائري عن أزماته اليومية الخانقة، عبر إحياء سياسة “العدو الخارجي” و”المؤامرة الأجنبية”.
إن الاستمرار في شيطنة المغاربة بهذه الطرق الفجة يعكس حالة من التخبط العميق واليأس السياسي. الأنظمة التي تفتقد إلى الشرعية المكتسبة عبر صناديق الاقتراع، وتفشل في تحقيق التنمية وتوفير العيش الكريم لمواطنيها، تلجأ دائماً إلى صناعة أعداء وهميين للتغطية على عجزها وفشلها الذريع.
في النهاية، العقل والمنطق والتاريخ يشهدون: من عادات المغاربة ومهارتهم البناء والتشييد والإبداع، أما التخريب والتدمير وقيادة البلاد نحو المجهول، فهي حرفة يجيدها – وبامتياز – من يتحكم في رقاب ومقدرات الشعب الجزائري الشقيق.

