خَرِيفُ الْجِنِرَالَاتِ وَالْبِطَانَةِ: حِينَ تَصْبَحُ الْوَفِيَّاتُ الْغَامِضَةُ وَالْإِقَالَاتُ عُنْوَانًا لِلْمَرْحَلَةِ…. دَوْلَةُ الْكَوَالِيسِ فِي الْجَزَائِرِ… مَقَابِرُ الْأَحْيَاءِ، زَنَازِينُ الْجِنِرَالَاتِ، وَلَعْنَةُ الْمَنَاصِبِ السِّيَادِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
توفي ثاني مستشار برئاسة الجمهورية الجزائرية حميد لوناوسي، والذي وافته المنية اليوم الخميس 8 أكتوبر 2026 عن عمر ناهز 71 سنة. وكان يشغل منصب مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالمنظمات الوطنية والدولية والمنظمات غير الحكومية.
كما تجدر الإشارة إلى أن الرئاسة الجزائرية شهدت حالة وفاة أخرى قبل يومين فقط لـ بوعلام بوعلام (مدير ديوان رئاسة الجمهورية والمستشار السابق للشؤون القانونية والقضائية)، والذي توفي يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 بعد صراع مع المرض.
يبدو أن مسلسل “وفيات” بعض الشخصيات السامية برئاسة الجمهورية الجزائرية يدعو للتساؤل. وإقالة واعتقال وإحالة بعض كبار الجيش المسؤولين على مواقع حساسة تدعو للقلق
أليس هناك صراع الاجنحة والتحالفات تنتج عنها هذه الوفيات التي قد تكون تصفيات حسابات عبر تصفيات جسدية؟؟؟
لا تقتصر حكايات السلطة في الجزائر على ما تطفو فوقه واجهات المؤسسات الرسمية، بل تعتمل في كواليسها المظلمة صراعات كبرى لا تقل ضراوة عن ساحات الحروب.
فمنذ سنوات، وشبح “التطهير الصامت” يطارد الرؤوس الكبيرة؛ بين جنرالات يجدون أنفسهم خلف القضبان، ومسؤولين كبار تتخاطفهم أسرار الموت المفاجئ في توقيتات بالغة الحساسية، وأسماء أخرى اختارت الفرار بجلدها نحو المنافي الاختيارية.
إن تتابع الأحداث الأخيرة – لاسيما الوفيات المتلاحقة لشخصيات وازنة في هرم الرئاسة – يعيد طرح السؤال الأبدي حول كلفة الحكم في منظومة أغلقت أبواب الشفافية، وتركت المصير السياسي للبلاد رهيناً لتجاذبات الأجنحة ومراكز النفوذ.
أولاً: هرم السلطة في مهب الريح.. نزيف الوفيات المفاجئة في محيط الرئاسة
لم يكن أحدث فصل في هذه الدراما سوى الرحيل المتقارب لشخصيتين محوريتين في إدارة القرار الرئاسي؛ فمنذ أيام قليلة رحل مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام في أحد مستشفيات جنيف إثر صراع غامض مع المرض، ليلحق به بعد ساعات مستشار رئيس الجمهورية حميد لوناوسي.
هذا التقارب الزمني المريب في وفاة رجلي “المطبخ السياسي” الأول في الجزائر يفتح باب التكهنات واسعاً.
ففي أنظمة تفتقر للشفافية وتدار عبر شبكات الظل، لا تُقرأ الوفيات بمعزل عن سياقها السياسي؛ بل تتحول فوراً في وعي النخبة والشارع إلى لغز يحمل أكثر من تأويل، لا سيما حين يتقاطع مع مرحلة تعج بالقرارات الفجائية والإطاحة بالأسماء التي كانت إلى الأمس القريب تصنع القرار وتتحكم بمفاصل الدولة.
ثانياً: رصيد الدم والزنازين.. حسابات الجنرالات والمسؤولين الساقطين
إن الناظر إلى خارطة القيادات العسكرية والأمنية والمدنية الرفيعة التي أُسقطت من عرشها خلال السنوات الماضية، يدرك حجم الزلزال الهيكلي الذي يضرب المؤسسات.
وتشير الأرقام والتقديرات المتراكمة إلى ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الجزائر المعاصر:
– العسكر في قفص الاتهام: عشرات الجنرالات والضباط السامون الذين قادوا قطاعات حيوية في الاستخبارات، والنواحي العسكرية، وقوات الأمن، وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها خلف السجون العسكرية (مثل سجن البليدة العسكري) بتهم تتراوح بين “الإثراء غير المشروع”، و”الخيانة العظمى”، و”التآمر على سلطة الدولة”.
– المقانون والمغضوب عليهم: لائحة طويلة من الوزراء ورؤساء الحكومات والولاة ورجال الأعمال الكبار (الذين كانوا يمثلون ذراع النظام المالي) أُودعوا السجون أو مُنعوا من مغادرة التراب الوطني، في عمليات وُصفت رسمياً بمحاربة الفساد، بينما تراها المعارضة والقراءات المستقلة تصفية حسابات بين أجنحة متصارعة.
– طريق المنفى والهاربون: في الجهة المقابلة، اختار عدد من المسؤولين وضباط الصف المتقدمين الفرار عبر الحدود أو نحو عواصم أوروبية، حاملين معهم أسراراً خطيرة وأرشيفاً حساساً يكشف جانباً من خبايا الصراع على السلطة والثروة.
ثالثاً: صراع الأجنحة.. حين تصبح الدولة رهينة للتحالفات الخفية
تعكس هذه السلسلة من النكبات الفردية والجماعية أزمة هيكلية عميقة في كيفية تدوير السلطة.
فالنظام السياسي الجزائري ظل محكوماً دائماً بمعادلة “التوافق الهش” بين المؤسسة العسكرية والأجنحة المدنية وشبكات المصالح الاقتصادية.
وحين يختل هذا التوازن، تندلع حرب خفية لا هوادة فيها؛ حرب تُدار بالاعتقالات والإقالات المباغتة، وتتغذى على التسريبات وتصفية النفوذ.
وفي هذه البيئة المشحونة بالشكوك، يصبح البقاء في المنصب مغامرة غير مأمونة، وتتحول المؤسسات السيادية إلى ساحة معارك صامتة يدفع ثمنها الاستقرار العام للدولة.
ختاما، إن الجزائر اليوم تواجه استحقاقات كبرى تفرض عليها الخروج من دائرة “الحكم السري” وصراع الكواليس إلى فضاء الشفافية والمؤسسات الدستورية الحقيقية.
إن تكرار سيناريوهات الوفيات المشبوهة، والاعتقالات بالجملة للجنرالات والمسؤولين، لا ينم عن قوة الدولة بقدر ما يكشف عن هشاشة بنيتها الداخلية.
وإذا لم يتم تدارك هذا النزيف المؤسسي والسياسي عبر توافق حقيقي يعيد الثقة للمواطن ويضع الدولة على سكة الشرعية الشعبية والديمقراطية، فإن مستقبل البلاد سيبقى رهيناً لمعادلة “البقاء للأقوى في الظل”، وهي معادلة لا تفضي سوى إلى المزيد من التآكل الداخلي وضياع فرص النهوض.

