حِينَ يُطْبَخُ التُّرَاثُ عَلَى نَارٍ مَسْرُوقَةٍ: “شَهْرَزَادُ” نَمُوذَجاً لِسِيَاسَةِ السَّطْوِ الثَّقَافِيِّ… اَلْقَفْطَانُ، اَلزَّلِّيجُ، وَالْبَسْطِيلَةُ… جَرِيمَةٌ ثَقَافِيَّةٌ مُكْتَمِلَةُ الْأَرْكَانِ… سَرِقَةُ الْوَصْفَةِ وَادِّعَاءُ الْأَصَالَةِ
عبدالقادر كتـــرة
مقدمة: ثقافة السطو الممنهج في عصر العولمة الرقمية، حيث تتداخل الثقافات وتتأثر ببعضها البعض، يظل حفظ حقوق الملكية الفكرية والتراثية للأمم خطاً أحمر لا يقبل المساومة. ومع ذلك، نشهد في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تتجاوز التأثر الطبيعي إلى “السطو الممنهج”. هذه الظاهرة، التي تتخذ من الثقافة المغربية العريقة هدفاً لها، لم تعد مجرد تصرفات فردية معزولة، بل تبدو وكأنها سياسة ناعمة تهدف إلى “استنساخ” هوية تاريخية بأثر رجعي. وتُعد الطباخة الجزائرية “فاطمة لعوج”، المعروفة إعلامياً بـ “شهرزاد”، واحدة من أبرز الأمثلة الصارخة على هذا التحول الصادم من الإشادة بالتراث إلى ادعاء ملكيته.
الأرشيف الرقمي: الشاهد الذي لا يكذب لا يمكن طمس التاريخ في عصر الإنترنت. الفيديوهات والتوثيقات القديمة لفاطمة لعوج تقف اليوم كأكبر دليل إدانة ضدها. في بداياتها، لم تكن “شهرزاد” تُخفي إعجابها الشديد بالمطبخ المغربي. كانت تتنقل بين المدن المغربية، تجلس إلى جانب “الطيابات” و”المعلمات” المغربيات، تدون بشغف أسرار الطبخ التقليدي العريق الذي صُقل عبر قرون من الحضارة. في تلك المرحلة، كانت فيديوهاتها وتصريحاتها تعج بالثناء على التراث المغربي ونسبة الأطباق إلى أصولها الحقيقية. كان هذا اعترافاً طبيعياً وأخلاقياً بفضل مدرسة عريقة في فن الطبخ.
الانقلاب الثقافي: سرقة الوصفة واختطاف “المسرح” ولكن، مع تصاعد الاستقطاب الثقافي والتوجه نحو محاولة بناء “قوة ناعمة” جزائرية -ولو على حساب الآخرين- تغير خطاب فاطمة لعوج جذرياً بـ 180 درجة. فجأة، تحولت البسطيلة، والطاجين المغربي بتوابله الفريدة، وحتى أشكال محددة من الحلويات، إلى “تراث جزائري خالص” تُقدمه عبر قنوات تلفزيونية جزائرية وفرنسية.
لم تتوقف الجريمة الثقافية عند سرقة الوصفة، بل امتدت لتشمل “المسرح” الذي تُعرض فيه. فلتمرير هذه المغالطة البصرية، تعمدت “شهرزاد” استنساخ البيئة المغربية بالكامل. فهي لا تظهر إلا بخلفيات مزينة بـ “الزليج المغربي” الأصيل، وترتدي “القفطان المغربي” بأدق تفاصيله، محاولةً بذلك خلق ارتباط بصري زائف في ذهن المشاهد (خاصة الغربي) بين هذه الأطباق والرموز، وبين هوية غير هويتها الأصلية. هذا الاستنساخ المتعمد يثبت أن العملية ليست مجرد “تشابه ثقافي”، بل هي محاولة سطو مكتملة الأركان مع سبق الإصرار.
من التراث إلى التزييف: لماذا تفشل هذه المحاولات؟ إن محاولة تبني هوية مسروقة تواجه دائماً جداراً من الحقائق الصلبة:
1- فقدان المصداقية المهنية: عندما يخرج شخص ليدعي أن طبقاً ما هو إرث أجداده، ثم يخرج له أرشيفه الخاص وهو يتعلم نفس الطبق في بلد مجاور ويعترف بأصله، فإنه يُدمر مصداقيته أمام المتابعين والمؤسسات الإعلامية الجادة.
2- الافتقار إلى العمق التاريخي: التراث ليس مجرد وصفة تُحضر أمام الكاميرا. إنه تراكم تاريخي، ارتبط بحضارات (كالمرابطين والموحدين والمرينيين والعلويين)، وله امتدادات في القصائد، وفي طرق الطهي التقليدية، والأواني المستخدمة. هذا العمق لا يمكن استنساخه في استوديو تلفزيوني.
3- طمس الهوية المحلية: إن الانشغال المرضي بمحاولة سرقة التراث المغربي اللامع عالمياً، جعل أمثال فاطمة لعوج يهمشون التراث الجزائري المحلي. بدلاً من النبش في المطبخ الجزائري الأصيل وتطويره وتقديمه للعالم كإضافة متنوعة، اختاروا الطريق الأسهل: قرصنة ما هو جاهز وناجح.
تداعيات السطو: يقظة مجتمعية وعزلة للمعتدي لقد أفرزت هذه السلوكيات التعدية نتائج عكسية تماماً لما خُطط لها. فالشعب المغربي، بجميع أطيافه، أظهر يقظة غير مسبوقة في الدفاع عن تراثه. تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى جبهة توثيق وتصدي، حيث يتم فضح كل محاولة سطو بالدليل القاطع والتاريخي. هذه اليقظة وصلت إلى المؤسسات الدولية كالمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) واليونسكو، مما أجهض العديد من محاولات التسجيل الوهمية.
علاوة على ذلك، أصبحت هذه الشخصيات، ومن يقف خلفها، تواجه عزلة ثقافية وسخرية دولية. فالمجتمع الدولي والمؤسسات الثقافية المرموقة باتت تدرك أن هذه التحركات ليست نابعة من غنى تراثي، بل هي محاولات يائسة للتغطية على أزمة هوية تعاني منها بعض الأطراف.
خاتمة: إن قضية “فاطمة لعوج” ليست سوى قطرة في بحر من محاولات السطو الثقافي. إنها تذكير قوي بأن التراث لا يُسرق ولا يُشترى، بل يُبنى عبر قرون من الزمن. وسيظل المغرب، بجذوره الضاربة في عمق التاريخ، قادراً على حماية إرثه بقوة حضارته ويقظة أبنائه، بينما سيظل الأرشيف الرقمي شاهداً أبدياً يطارد كل من يحاول كتابة تاريخه بحبر مسروق.
فيديو للمشاهدة

