وَهْمُ الْمُقَايَضَةِ وَالسُّقُوطُ الْمُدَوِّي لِمُخَطَّطَاتِ الْعَسْكَرِ الْجَزَائِرِيِّ الْخَبِيثَةِ عِنْدَمَا تَتَحَطَّمُ مُنَاوَرَاتُ الْغَازِ الْجَزَائِرِيِّ عَلَى صَخْرَةِ الشَّرَاكَةِ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ الْإِسْبَانِيَّةِ الْمَغْرِبِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
لم يكن انهيار القمة الإسبانية-الجزائرية مجرد عثرة بروتوكولية، بل هو الإعلان الرسمي عن السقوط المدوي لاستراتيجية “المقايضة” التي حاول النظام الجزائري فرضها على مدريد. لسنوات، توهم قصر المرادية أن تدفقات الغاز وعقود الاستيراد تكفي لشراء المواقف السيادية وتغيير القناعات الجيوسياسية، معتقداً أن التلويح المستمر بسلاح الطاقة سيجبر حكومة بيدرو سانشيز على التراجع عن موقفها التاريخي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
لكن الحسابات الجزائرية اصطدمت بواقع استراتيجي صلب؛ فمدريد تدرك جيداً أن أمنها القومي، واستقرار حدودها الجنوبية، وازدهارها الاقتصادي، مفاهيم ترتبط عضوياً بشراكة استراتيجية موثوقة ومستدامة مع الرباط.
لقد اختارت إسبانيا الانحياز إلى منطق المستقبل والمصالح البنيوية العميقة العابرة لمضيق جبل طارق، رافضة الخضوع لابتزاز دبلوماسي يفتقر إلى الرؤية ويحركه هاجس وحيد يتمثل في معاكسة النجاحات المغربية.
إن عجز النظام الجزائري عن اتخاذ أي إجراء انتقامي حقيقي تجاه إسبانيا اليوم، يكشف هشاشة أوراقه التفاوضية بعد أن استنفد كل طلقاته في مقاطعة تجارية سابقة ارتدت نتائجها الكارثية على اقتصاده الداخلي.
لقد أثبتت مدريد بثباتها أن المواقف التاريخية لا تُطرح للبيع في أسواق الغاز، تاركة الدبلوماسية الجزائرية تتجرع مرارة العزلة.
وما يزيد من وطأة هذه العزلة هو الإجماع الأوروبي المتزايد الداعم للمغرب.
فالموقف الإسباني، الذي يعتبر مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع، لم يعد يغرد خارج السرب.
لقد انضمت إليه قوى أوروبية كبرى، وفي مقدمتها فرنسا، التي أكد رئيسها إيمانويل ماكرون في أكتوبر 2024 دعم بلاده لسيادة المغرب على الصحراء، واعتبارها خطة الحكم الذاتي “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل سياسي. كما شددت فرنسا في أكتوبر 2025 بمجلس الأمن الدولي على أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الذي يجب أن تُحل فيه هذه القضية.
هذا الاصطفاف، الذي يضم اليوم 17 دولة في الاتحاد الأوروبي تدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، يثبت أن التحالفات الاستراتيجية باتت جداراً استراتيجياً منيعاً تتكسر عليه كل محاولات التشويش.
وفي مواجهة هذا الإجماع القوي، تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها أمام حقيقة قاسية: رهاناتها القديمة لم تعد قادرة على عرقلة المسار الدولي الثابت نحو حل واقعي تحت السيادة المغربية.

