أَزْمَةُ الْجِنْسِيَّةِ الْإِسْبَانِيَّةِ: لِمَاذَا يَخْشَى قِيَادِيُّو الْبُولِيسَارْيُو جَوَازَ السَّفَرِ الْأُورُوبِّيِّ أَكْثَرَ مِنَ السِّلَاحِ؟… نَارٌ فِي الرَّابُونِي وَغَضَبٌ فِي الْمُخَيَّمَاتِ، “التَّجْنِيسُ” يُزَلْزِلُ قَبْضَةَ الْعِصَابَةِ
عبدالقادر كتـــرة
شهدت منطقة الرابوني—المركز الإداري والأمني لجبهة البوليساريو بمخيمات تندوف—أحداثاً غير مسبوقة تجلت في استهداف وتخريب مستودع لوجستي ضخم يُعرف بـ”البارك”، والذي يضم صهاريج وقود وحافلات ومعدات حيوية.
لم تكن هذه النيران مجرد حادث عابر أو شرارة أمنية مصادفة، بل جاءت كتعبير صريح عن احتقان اجتماعي وسياسي متصاعد، فجّره ملف حساس للغاية: الجنسية الإسبانية وحق التنقل.
ومع توالي الأنباء عن تشريعات جديدة في مدريد تتيح للصحراويين المولودين إبان فترة الإدارة الإسبانية للإقليم وأبنائهم التقديم للحصول على الوثائق والجنسية الإسبانية، تحول هذا الملف إلى كابوس حقيقي يهدد البنية السياسية والوجودية لقيادة الجبهة.
1. الكابوس الديموغرافي: الخوف من تفرغ المخيمات
تُشكل الساكنة في مخيمات تندوف “الرصيد الوجودي والورقة التفاوضية الأولى” لقيادة البوليساريو أمام المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية.
إن حصول الآلاف من سكان المخيمات على جوازات سفر إسبانية ينطوي على مخاطر هجرة جماعية نحو أوروبا، مما يعني تفريغ المخيمات تدريجياً من كتلتها البشرية.
بالنسبة لقيادة الجبهة، فإن هذا “النزيف الديموغرافي” يمثل تهديداً مباشراً لشرعيتها ومبرر وجودها الإقليمي.
2. انهيار السردية: من “قيادة تحرر” إلى “حراس سجن”
سعت قيادات الجبهة—عبر تصريحات مسؤولين بارزين مثل محمد يسلم ولد بيسط—إلى التقليل من فرص استفادة ساكني المخيمات من التشريع الإسباني، واشتراط الإقامة الفعلية في إسبانيا للحصول على الوثائق.
هذه المحاولات للتضييق والحد من حركة الساكنة وضعت القيادة في موقف مكشوف؛ حيث بات ينظر إليها قطاع واسع من الشباب والمواطنين المحتجزين لا كـ “قيادة تحرر”، بل كـ “قيادة تمنع أتباعها من تحسين أوضاعهم القانونية والإنسانية” لضمان بقائهم في بيئة الصحراء القاسية.
3. انكشاف اقتصاد الريع وشبكات التهريب
كشفت أحداث حرق مستودعات “البارك” عن حجم النقمة الاجتماعية تجاه المحسوبية وسبل إدارة المساعدات. فالساكنة ترى أن قيادات الجبهة تتمتع بحرية الحركة وامتلاك الوثائق والربح من تجارة الوقود والمساعدات الإنسانية عبر الحدود الموريتانية والجزائرية، في حين يُطلب من المواطن العادي الصبر والتحمل. استهداف هذه المستودعات بالذات كان ضربة مباشرة لشبكات الريع التي تعتمد عليها القيادة في تأمين مواردها وإرضاء الولاءات داخل المخيمات.
4. تآكل الهيبة والانفلات الأمني
تُظهر الاستهدافات المباشرة للمقرات الإدارية والأمنية أن أدوات ضبط الشارع لدى الجبهة بدأت تفقد فعاليتها. لم يعد الانتقاد محصوراً في المنشورات أو النقاشات المغلقة، بل انتقل إلى أفعال احتجاجية وميدانية حادة. هذا التآكل في الهيبة يضع قيادة البوليساريو أمام مأزق أمني غير مسبوق: فالتضييق المفرط سيزيد من انفجار الشارع، والرخاء الأمني سيفتح الباب لمزيد من التمرد والمطالبة بالرحيل.
خلاصة القول، تجد قيادة البوليساريو نفسها اليوم عند مفترق طرق حرج؛ فبينما كان الشعار السياسي التاريخي يركز على مواجهة الخارج، بات الخطر الأكبر يُهدد بيتها الداخلي.
إن جواز السفر الإسباني لم يعد مجرد وثيقة سفر في نظر سكان المخيمات، بل تحول إلى “طوق نجاة فردي” من ظروف العيش الممتدة لأكثر من خمسة عقود.
وأمام هذا الواقع الشديد، تدرك قيادة الجبهة أن المعركة القادمة لن تكون معركة شعارات، بل معركة للسيطرة على مجتمع يبحث عن المستقبل بعيداً عن قيوده التقليدية.

