عَشْرِيَّةُ الدَّمِ وَنُدُوبُ الرُّوحِ: الْأَثَرُ النَّفْسِيُّ الْمَنْسِيُّ لِلْإِرْهَابِ فِي الْجَزَائِرِ… أَرْقَامٌ صَادِمَةٌ وَأَلَمٌ صَامِتٌ وَإِرْثُ الْخَوْفِ الْمُتَوَارَثِ… جِرَاحٌ نَفْسِيَّةٌ لَمْ تَنْدَمِلْ تَبْحَثُ عَنْ تَعَافٍ جَمَاعِيٍّ

عَشْرِيَّةُ الدَّمِ وَنُدُوبُ الرُّوحِ: الْأَثَرُ النَّفْسِيُّ الْمَنْسِيُّ لِلْإِرْهَابِ فِي الْجَزَائِرِ… أَرْقَامٌ صَادِمَةٌ وَأَلَمٌ صَامِتٌ وَإِرْثُ الْخَوْفِ الْمُتَوَارَثِ… جِرَاحٌ نَفْسِيَّةٌ لَمْ تَنْدَمِلْ تَبْحَثُ عَنْ تَعَافٍ جَمَاعِيٍّ

عبدالقادر كتـــرة

عندما تُستحضر ذكرى “العشرية السوداء” في الجزائر، غالباً ما تتجه الأنظار نحو الخسائر الاقتصادية الفادحة وتدمير البنية التحتية، أو نحو الأرقام المفجعة للضحايا. لكن هناك دماراً من نوع آخر، صامتاً وغير مرئي، استوطن العقول والأرواح؛ دمار ترك ندوباً غائرة في النفسية الجمعية للمجتمع الجزائري لم تمحها السنوات.

أرقام تكشف حجم المعاناة

لفهم حجم هذه المأساة، تكفي نظرة تحليلية إلى دراسة أكاديمية مرجعية نُشرت عام 2004 في مجلة “العدوان وسوء المعاملة والصدمات” للباحث نور الدين خالد، حول الآثار النفسية للهجمات الإرهابية في الجزائر.

تكشف الدراسة عن واقع صادم؛ إذ أظهرت أن 91.9% من عينة الدراسة كانوا ضحايا لحدث صادم ومروع.

هذه الصدمات لم تمر دون أن تترك أثراً مرضياً عميقاً. فقد أوضحت البيانات أن 39.5% من هؤلاء يعانون من “اضطراب ما بعد الصدمة”، وهو رقم هائل يعكس حالة من الاستنفار النفسي الدائم واسترجاع ذكريات الخوف. كما سجلت الدراسة إصابة 38.5% باضطرابات القلق ونوبات الهلع، و23.3% باضطرابات المزاج والاكتئاب الحاد، بينما عانى 8.7% من اضطرابات جسدية المنشأ النفسي، حيث يترجم الجسد آلام الروح إلى أمراض بدنية غير مفسرة طبياً.

– صدمة الأجيال والذاكرة الجمعية

إن خطورة هذه الأرقام لا تكمن فقط في اللحظة الزمنية التي قِيسَت فيها، بل في مفهوم “الصدمة العابرة للأجيال”. فالآباء والأمهات الذين عاشوا ويلات التسعينيات ونوبات الهلع المستمرة، ينقلون لا شعورياً هذا القلق والتوجس إلى أبنائهم.

هذا الإرث النفسي يفسر الكثير من السلوكيات الاجتماعية اليوم، كالحذر المفرط، وضعف الثقة المجتمعية، والتوتر في الفضاءات العامة.

سياسياً واجتماعياً، شكلت هذه الصدمة عقيدة دفاعية لدى المواطن الجزائري. فالخوف المتجذر من الانزلاق مجدداً نحو الفوضى جعل من “الاستقرار والأمن” أولوية قصوى تتقدم على أي مطالب أخرى، مما يفسر الكثير من خيارات الشارع الجزائري وتفضيله للتدرج على التغيير الجذري والمجهول.

– الطريق نحو التعافي الجماعي

إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات للنسيان، بل هي جرس إنذار مستمر. وكما خَلُصَت الدراسة، فإن التعافي من هذا الإرث الثقيل لن يحدث تلقائياً مع مرور الزمن، بل يتطلب “جهداً منسقاً وجماعياً، وموارد وقيادة مسؤولة من جانب السلطات المدنية والحكومية”.

المجتمع الجزائري اليوم، وهو يواصل بناء حاضره، بحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية شاملة للصحة النفسية، تكسر حاجز الصمت، وتعترف بآلام الماضي بشجاعة، لتتمكن الأجيال القادمة من العيش بذاكرة متعافية، لا بذاكرة مثقلة بالخوف.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *