مهرجان الراي بوحدة … من العالمية إلى المحلية
اعاد الإعلان عن دورة جديدة لمهرجان الراي في مدينة وجدة إلى الواجهة سؤالا يتردد منذ سنوات حول مستقبل أحد أبرز المهرجانات التي ارتبط اسمها بالمدينة، وحول الأسباب التي جعلت موعدا كان يصنف ضمن التظاهرات الدولية يتحول اليوم إلى مهرجان محلي، في تغيير يراه كثيرون أكثر من مجرد تعديل في التسمية.
ففي سنوات سابقة، نجح مهرجان الراي في استقطاب أسماء فنية وازنة، وأصبح مناسبة سنوية تمنح وجدة إشعاعا ثقافيًا وسياحيا يتجاوز حدود الجهة. وكان المهرجان يشكل منصة للتعريف بفن الراي باعتباره أحد أهم التعبيرات الموسيقية التي نشأت وتطورت في الفضاء المغاربي، كما كان يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية للمدينة خلال فترة تنظيمه.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فبينما تواصل العديد من المهرجانات المغربية تعزيز حضورها وتوسيع إشعاعها الوطني والدولي، يرى متابعون للشأن الثقافي أن مهرجان الراي يسير في الاتجاه المعاكس، سواء من حيث الحضور الإعلامي أو مستوى البرمجة أو المكانة التي كان يحتلها في السابق.
ولا يتعلق الأمر، في نظر عدد من المهتمين، بتغيير الاسم فقط، وإنما بتراجع المشروع الثقافي الذي كان يقف خلف المهرجان. فالمهرجانات لا تقاس بعدد الدورات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على تجديد رؤيتها، واستقطاب جمهورها، وصناعة قيمة مضافة للمدينة التي تحتضنها.
ويربط هذا التراجع بغياب حكامة ثقافية واضحة، وإسناد مسؤوليات التدبير والبرمجة إلى أشخاص لا يملكون الخبرة الكافية في إدارة المشاريع الثقافية الكبرى. وفي مثل هذه الحالات، تصبح النتيجة المتوقعة هي تنظيم الدورات من أجل الحفاظ على استمرارية الحدث، لا من أجل تطويره أو الارتقاء به.
إن المهرجانات الكبرى لا تبنى بالميزانيات وحدها، بل بالرؤية، والتخطيط، والاستقلالية الفنية، والانفتاح على الكفاءات القادرة على تحويلها إلى علامة ثقافية واقتصادية مستدامة. وعندما تغيب هذه العناصر، يتحول الحدث تدريجيًا إلى موعد روتيني يفقد جزءا من جمهوره وتأثيره عامًا بعد آخر.
ولعل ما يحتاجه مهرجان الراي اليوم ليس مجرد دورة جديدة، بل مراجعة شاملة لفلسفة تنظيمه، تنطلق من تقييم موضوعي للتجربة السابقة، والإجابة عن أسئلة جوهرية وهي ماذا نريد من هذا المهرجان؟ ولمن ينظم؟ وكيف يمكن أن يستعيد مكانته داخل الخريطة الثقافية الوطنية والدولية؟
لقد كانت وجدة، لعقود، إحدى العواصم الطبيعية لفن الراي، وهو رصيد ثقافي لا يزال قائما ويستحق استثمارا أفضل. غير أن الحفاظ على هذا الإرث يقتضي تجاوز منطق التدبير الموسمي إلى بناء مشروع ثقافي طويل النفس، يضع الجودة قبل الشكل، والمضمون قبل الاحتفاء السنوي.
أما الاستمرار في تنظيم المهرجان بالآليات نفسها، مع توقع نتائج مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بأن موعدا كان يوما مصدر فخر للمدينة أصبح يعيش على أمجاد الماضي، وهو ما يلخصه المثل الشعبي المتداول “تعلموا الحجامة في رؤوس اليتامى”؛ مثل يستحضره بعض المنتقدين للتعبير عن شعورهم بأن التجريب في إدارة حدث بهذا الحجم قد أضر بمكانته أكثر مما خدمها.
ويبقى السؤال مفتوحًا هل تكون الدورة المقبلة بداية مراجعة حقيقية تعيد لمهرجان الراي مكانته التي استحقها يوما، أم أنها ستكون محطة أخرى في مسار تراجع يثير قلق المهتمين بالشأن الثقافي في الشرق المغربي؟
.

