دول بلا رجال تهاجم مغرب الأبطال لإنجازاته الرياضية العالمية، حسدا وحقدا وغيرة: بين النموذج الهُوِيَّتي والثقافي المغربي، ونموذج التجنيس الوظيفي وكراء الأبطال الأجانب
عبدالقادر كتـــرة
من غرائب بعض الدول العربية أنها تعاير المغرب بمكان ولادة بعض اللاعبين في دول أوروبا كما لو كان المولود هناك يفقد جنسيته التي هي جنسية والديه واجداده وأمته، كما لو كان الفرنسي أو الانجليزي أو الصيني…. يفقد جنسيته إذا ولد في قطر أو الجزائر أو تونس أو مصر…. والحقيقة أن هؤلاء اللاعبين لا يفقدون أصلهم ولا دينهم ولا لغاتهم ولا تراثهم ولا تاريخ بلدهم ولا ينصهرون في المجتمع الذي ترعرعوا فيه ولو تأقلموا معه واندمجوا فيه، فهم يبقون مغاربة بحكم أن الأسرة المغربية لا تفقد هويتها وتاريخها وحضارتها وثقافتها ولو عاشت في سيبيريا أو الآلسكا أو أدغال أفريقيا…لأنها دولة أمة ذات حضارة ضاربة في التاريخ منحوتة في جينات أبنائها، حافظت على هويتها ولغاتها وثقافتها وتراثها وتقاليدها ، أكلا وشربا ولباسا وفنا وتقاليدا وسلوكا ومعاملة ونمط عيش وحياة بشكل عام..
أما هؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون من تلك الدول حديثة المولد والوجود ومنها من فقد هويته ودجنته أنواع الاستعمار الفارسي والعثماني والفرنسي والانجليزي والإيطالي… ولما ترغب في تمثيلية وحضور المحافل الدولية، في غياب رجال لها، أصبحت تكتري أبطالا رياضيين في مختلف المنافسات واللاعبين في مختلف المجالات وتجنسهم، لمدة من الزمان فقط، قد لا تفوق الثلاث سنوات، ليرفعوا راياتاها، وبعد الفترة الموقعة يسقطون عنهم الجنسية، خاصة في بعض دول الخليج، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في تونس تم تجنيس لاعب برازيلي المسمى “دوس سانطوس”، أما منتخب دولة قطر فكل لاعبيه تم التقاطهم من هنا وهناك ولا يحملونها في قلوبههم لكن يحملون البيترودولار في جيوبهم.
ومن يلاحظ منتخب فرنسا يصاب بصدمة حيث أغلب اللاعبين أفارقة ، ولما يواجه المنتخب الفرنسي منتخب بلد أفريقي، فلا تفرق الفرنسي من الافريقي، حتى أصبح يقال، أفريقيا تلعب ضد أفريقيا…
السلوك المرضي لهؤلاء الفاشلين الحاسدين الحاقدين يطرح إشكالية سوسيولوجية ورياضية عميقة جداً، تلامس صميم مفاهيم “الهوية” ، “الانتماء” ، و”القومية الرياضية” في العصر الحديث، ويعكس تبايناً واضحاً بين نموذجين: نموذج يعتمد على الامتداد الديموغرافي الهُوِيَّتي والثقافي (النموذج المغربي)، ونموذج يعتمد على التجنيس الوظيفي للغريب و”كراء” البطل الأجنبي(بعض دول الخليج وغيرها) في غياب الرجال القادرين على رفع إسم البلد ورايته.
1. الشرعية القانونية والسوسيولوجية للاعبين المغاربة
من الناحية القانونية والمنطقية، الانتقادات الموجهة للمغرب بشأن استدعاء لاعبين من أبناء الجالية هي انتقادات تفتقر للأسس السليمة، وذلك لسببين رئيسيين:
– قانون “حق الدم”: دساتير الدول العربية، ومنها المغرب، تمنح الجنسية بناءً على رابطة الدم (الأب والأم)، وليس فقط مكان الولادة (حق الإقليم). بالتالي، اللاعب المولود في هولندا أو فرنسا من أبوين مغربيين هو مغربي أصيل بقوة القانون والتاريخ، ولا يعتبر “مجنساً”.
– التنشئة الاجتماعية العابرة للحدود: الأسرة المغربية تتميز بصلابة استثنائية في نقل التراث. الجيلان الثاني والثالث في أوروبا لا يزالون يتحدثون الدارجة أو الأمازيغية، يقضون عطلهم في مدنهم الأصلية، ويرتبطون وجدانياً بالوطن الأم. هذا ليس تجنيساً، بل هو “استرجاع للكفاءات المهاجرة” .
2. مقارنة بين “الانتماء العضوي” و”التجنيس المصلحي”
يجب التفرقة بدقة بين ما يفعله المغرب وبين ممارسات دول أخرى:
– التجنيس الرياضي الوظيفي (النموذج القطري/البحريني في بعض الألعاب الرياضية): بسبب صغر الكتلة الديموغرافية والطموح لتحقيق إنجازات سريعة، تلجأ بعض الدول لاستقطاب رياضيين جاهزين (في ألعاب القوى، كرة اليد، وحتى كرة القدم أحياناً) ومنحهم جوازات سفر مؤقتة أو “مهمات رياضية”.
هؤلاء لا يربطهم بالدولة لغة ولا ثقافة ولا تاريخ، وبمجرد انتهاء مسيرتهم، يعودون لبلدانهم الأصلية.
– الحالة التونسية (دوس سانتوس): كما ذكرت، تجنيس البرازيلي “سيلفا دوس سانتوس” أو “كلايتون” في 2004 كان خطوة تكتيكية بحتة للفوز بكأس أمم أفريقيا.
رغم نجاحها الرياضي، إلا أنها أثارت جدلاً داخلياً في تونس نفسها آنذاك حول مسألة الهوية.
3. “النموذج الفرنسي” الاستعماري
بالنسبة لمنتخب فرنسا، الوضع يحتاج إلى قراءة في السياق التاريخي:
– اللاعبون ذوو الأصول الأفريقية في منتخب فرنسا ليسوا “مجنسين رياضياً” بالمعنى الخليجي، بل هم مواطنون فرنسيون وُلدوا ونشأوا في ضواحي باريس ومارسيليا وليون.
– هذا المشهد هو نتاج مباشر للإرث الاستعماري الفرنسي وموجات الهجرة الواسعة بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار أوروبا.
فرنسا حصدت كروياً ما زرعته ديموغرافياً وتاريخياً في مستعمراتها السابقة.
المقولة “أفريقيا تلعب ضد أفريقيا” هي نكتة سياسية مريرة تعكس واقع الاستنزاف الرياضي الأوروبي للمواهب ذات الجذور الأفريقية.
4. نجاح النموذج المغربي الاستثنائي
إن نجاح النموذج المغربي في استثمار جاليته له تداعيات عميقة على عدة أصعدة:
أ. على مستوى “القوة الناعمة” والدبلوماسية الرياضية
– تصدير النموذج: أصبح النموذج المغربي (الذي تديره الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عبر كشافين في كل أوروبا) نموذجاً يُدرس وتسعى دول أفريقية وعربية أخرى لنسخه.
– تغيير موازين القوى: استمرار المغرب في جلب أفضل مواهبه من أوروبا سيجعله قوة كروية ضاربة ومستدامة، مما سيعزز مكانته كقوة ناعمة رائدة في أفريقيا والعالم العربي، وهو ما يثير حفيظة دول أخرى تسعى للريادة عبر “شراء” الإنجازات.
ب. على مستوى العلاقات الجيوسياسية والعربية
– حرب السرديات: التعايير والانتقادات التي نراها من بعض وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي هي انعكاس لـ “صراع نفوذ” غير معلن.
الدول الحديثة التي تحاول بناء تاريخ عبر استضافة البطولات الكبرى وتجنيس اللاعبين، تشعر بالنقص أمام دول تمتلك جذوراً حضارية قادرة على استدعاء أبنائها من أي مكان في العالم ليقاتلوا من أجل قميصها مجاناً وبشغف.
– الفصل بين الشعبي والرسمي: رغم التراشق الإعلامي والجماهيري، فإن هذه القضايا الرياضية نادراً ما تؤثر على العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الدول. الدول تدير علاقاتها بناءً على المصالح الاقتصادية والأمنية، لكن الرياضة تبقى “التيرمومتر” الذي يقيس مستوى التنافس أو الاحتقان الشعبي بين الدول.
ج. على مستوى مستقبل قوانين (الفيفا)
– صراع الشمال والجنوب: استمرار ظاهرة استرجاع المواهب (مثل حالة إبراهيم دياز، حكيم زياش، وأشرف حكيمي) سيجعل الدول الأوروبية تضغط أكثر لتعديل قوانين “الفيفا” لتعقيد عملية تغيير الجنسية الرياضية، لأنها باتت تشعر بأن مراكز تكوينها أصبحت بمثابة مجرد “مدارس تفريخ” للمنتخبات المغاربية والأفريقية.
خلاصة القول، الانتماء ليس جواز سفر يُطبع في المطابع، بل هو حمض نووي ثقافي يورث عبر الأجيال. ما يحققه أبناء المهجر المغاربة هو انتصار للهوية الثقافية الصامدة.
للتذكير فقط كما جاء في إحدى الصفحات المغربية ردا على هرطقات “بين سبورت” القطرية الخبيثة:
“من العيب أن تتحدث بين سبورت القطرية عن الهوية والأصول، وهي التي تملك منتخباً مكوناً من مجنسين من عدة دول، ونذكرهم بالأسماء:
أكرم عفيف – اليمن/الصومال
المعز علي – السودان
عاصم ماديبو – السودان
بوعلام خوخي – الجزائر
كريم بوضياف – المغرب/الجزائر
أيوب العلوي – سوريا/المغرب
احمد فتحي – مصر
بيدرو ميغيل – الرأس الأخضر
لوكاس مينديز – البرازيل
أديميلسون جونيور – البرازيل
محمد مونتاري – غانا
سيباستيان سوريا – الأوروغواي
قطر قامت ببناء منتخبها الوطني بالاستيراد، وصنعوا منهم منتخباً ورقياً، فلا حق لهم في التشكيك في انتماء ووطنية وهوية غيرهم.
ما قاموا به في منشورهم ليس خبراً رياضياً، بل محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتشويه إنجاز المغرب التاريخي بالمرور إلى الدور الثاني، والتغطية على فشل منتخبهم الذي غادر البطولة بعد استقباله 10 أهداف.
استرجاع مباراة مضى عليها أسبوع ودمجها بخبر انتصار المغرب اليوم على هايتي، هو دليل يأس لا يمت للعمل الإعلامي بصلة.
النتائج هي التي تتحدث، لا لغة الأرقام المبتورة. فبينما كان منتخبهم يسقط بالستة أمام كندا وبالثلاثة أمام البوسنة، كان المنتخب المغربي يكتب تاريخاً جديداً للكرة الإفريقية.
التناقض واضح، يبحثون عن أعذار لمنتخبهم المستورد، ويحاولون النيل من هوية منتخب يمثل وطناً، لا مجرد مشروع تجاري.
فمن يشرك 10 لاعبين ولدوا أجانب من آباء أجانب وفي دول أجنبية وبأسماء لاتينية في تشكيلة واحدة، لا يملك أي رصيد أخلاقي ليحاضر الآخرين عن الوطنية أو الولاء.
فضيحتهم في الملعب هي الحقيقة الوحيدة، أما محاولاتهم لجر المغرب إلى مستنقعهم، فهي مجرد محاولة أخيرة لتغطية سوءة الفشل بضجيج لا يسمعه أحد.”

