رواية “ماذا تنتظر القردة” للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا: تشريح مذهل لجزائرٍ تتجاوز فيها المؤامرات حدود العقل، وحيث تتحول ممارسة السلطة والفساد إلى عقائد مقدسة
عبدالقادر كتـــرة
تقديم الناشر للرواية بالفرنسية: “تم اكتشاف جثة طالبة في غابات باينام، بالقرب من الجزائر العاصمة. لم تكن محافظة الشرطة نورا بلال، المكلفة بالتحقيق، تتخيل أبدًا أن حياتها ستصبح في خطر داهم. في بلد تتجاوز فيه المؤامرات والمسارات الخاطئة حدود العقل، وحيث تتحول ممارسة السلطة والفساد إلى عقائد مقدسة، ما هو المصير الذي ينتظر أولئك الذين يجرؤون على الاعتقاد بأن القانون فوق الجميع، خاصة عندما تتجسد النزاهة والولاء في امرأة؟ بعيدًا عن كونها مجرد قصة إثارة سياسية، تعد رواية ماذا تنتظر القردة تشريحًا مذهلاً لجزائرٍ وجدت نفسها، بعد أن دمرها الإرهاب الإسلامي، فريسة سهلة ومكشوفة لغيلان الفساد والعار.”
ملخص محتوى الكتاب: “تبدأ الرواية كقصة بوليسية كلاسيكية: العثور على جثة شابة مشوهة بوحشية في غابة باينام. يُعهد بالتحقيق إلى نورا بلال، وهي محافظة شرطة نزيهة، ومقاتلة، ومتمسكة بشدة بالعدالة.
ومع ذلك، سرعان ما ينقلب التحقيق الروتيني رأسًا على عقب. تكتشف نورا أن الضحية كانت تتردد على الطبقات العليا في المجتمع العاصمي الجزائري. ومن خلال تتبع الخيوط، تصل المحققة إلى “الذين لا يُمسّون” (المنزهين عن العقاب)، وهم من الأوليغارشية الأثرياء والسياسيين الفاسدين (وخاصة الحاج سعد ذو النفوذ القوي). وإذ ترفض نورا الرضوخ لضغوط رؤسائها الذين يطالبونها بإغلاق الملف، تصبح هي نفسها هدفًا لهؤلاء المفترسين. تروي الرواية كفاحها غير المتكافئ، وشبه الانتحاري، من أجل إظهار الحقيقة في نظام قضائي وسياسي فاسد تمامًا.”
حسب تحليلات النقاد، يرسم الكتاب صورة لسلسلة من الشخصيات التي تدور في فلك هذه القضية، مما يقدم بانوراما كاملة للمجتمع الجزائري الحديث:
– “الأثرياء الجدد” (المنتفعون من النظام): رجال أعمال بلا رقيب ولا حسيب أثروا على أنقاض الحرب الأهلية (ما يُعرف بـ “العشرية السوداء”).
– المتواطئون السلبيون: القضاة ورجال الشرطة الفاسدون أو المذعورون الذين يفضلون غض الطرف لحماية حياتهم المهنية أو أرواحهم.
– الشعب المحبط: شعب منهك، يراقب نهب بلاده باستسلام مرير.
يستخدم المؤلف، “ياسمينة خضرا” (واسمه الحقيقي محمد مولسهول، وهو ضابط كبير سابق في الجيش الجزائري)، معرفته العميقة بخبايا السلطة لإضفاء المصداقية على هذا الانحدار نحو الجحيم المؤسسي.
– من الإرهاب إلى الفساد (التشريح العميق): يفترض الكتاب أن الجزائر نجت من الإرهاب في التسعينيات لتقع في أيدي إرهابيين “ذوي الياقات البيضاء”. “غيلان العار” المذكورون في النص هم أولئك القادة والمسؤولون الذين يمتصون ثروات البلاد. لقد حل العنف الاقتصادي والمؤسسي محل العنف الجسدي في الجبال.
– استعارة العنوان: يشير عنوان ماذا تنتظر القردة إلى مثل أو حكاية مجازية. تمثل “القردة” الحاشية والمستغلين والانتهازيين الفاسدين الذين ينتظرون سقوط “الأسد” (الدولة، أو الشعب الجزائري) ليتقاسموا جثته.
– صورة المرأة في عالم أبوي (ذكوري): إن اختيار امرأة (نورا بلال) لتجسيد النزاهة المطلقة ليس أمراً عابراً. ففي مجتمع أبوي بامتياز، حيث تُضاف النزعة الذكورية إلى إساءة استخدام السلطة، تشكل نورا إزعاجاً مزدوجاً. فهي تعاني من الاحتقار المرتبط بجنسها، والكراهية المرتبطة بكونها غير قابلة للفساد. إنها تجسد الشرف المفقود لأمة بأكملها.
تُعد “ماذا تنتظر القردة” رواية سوداء شديدة التشاؤم، ولكنها واضحة الرؤية بشكل مأساوي. يتخلى “ياسمينة خضرا” عن الأمل ليقدم لائحة اتهام حقيقية ضد الـ “كليبتوكراسيا” (حكم اللصوص).
يجد القارئ نفسه ممزقًا باستمرار بين الإعجاب بالشجاعة الانتحارية لنورا بلال، والرعب أمام آلة الطحن المتمثلة في “الدولة العميقة” الموصوفة في الرواية.
إنه كتاب يستخدم قواعد قصة الإثارة البوليسية لممارسة النشاط الأدبي والسياسي. بل إن النقد الاجتماعي يطغى غالبًا على التحقيق البوليسي بحد ذاته: ففي النهاية، تصبح هوية القاتل أقل أهمية من الإفلات من العقاب والحصانة التي يتمتع بها.
في الختام، هي تحية نابضة بالحياة لأولئك الذين يحاولون، في الظل وغالبًا مع تعريض حياتهم للخطر، الحفاظ على دولة القانون في بلدان يملي فيها المال والمحسوبية القوانين.

