“الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها”: تعكس بدقة متناهية نظرية خلدونية متكاملة حول أثر الاستبداد والظلم على البنية النفسية والأخلاقية للمجتمعات، الجزائر نموذجا
عبدالقادر كتـــرة
“الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها” ابن خلدون.
تعتبر هذه المقولة، أو بالأحرى هذه الخلاصة، من أعمق الرؤى السوسيولوجية والنفسية التي قدمها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في كتابه “المقدمة” تنطبق تماما حقا وحقيقية.
فرغم أن العبارة بلفظها الشائع “الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها” هي صياغة مكثفة يتداولها الناس، إلا أنها تعكس بدقة متناهية نظرية خلدونية متكاملة حول أثر الاستبداد والظلم على البنية النفسية والأخلاقية للمجتمعات، وتمثل الجزائر نموذجا حيا وتجسيدا.
لم ترد العبارة بهذا اللفظ المختصر في “المقدمة”، بل جاءت كخلاصة لعدة فصول ناقش فيها ابن خلدون أثر “القهر” على الإنسان، سواء في التربية أو في السياسة. من أهم النصوص التي تؤصل لهذا المعنى:
– في أثر القهر على الفرد: يقول ابن خلدون في فصل بعنوان (في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم):
“مَن كان مَرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً”.
– في أثر الظلم على المجتمع والدولة: ربط ابن خلدون بين القهر وانهيار الحضارة في فصل (الظلم مؤذن بخراب العمران)، حيث يرى أن الاعتداء على حقوق الناس وأموالهم وحرياتهم يُفقد المجتمع الدافع للعمل والبناء.
– في سيكولوجية المغلوب: قاعدته الشهيرة (المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده)، والتي تفسر كيف يفقد المقهور ثقته في هويته وقيمه ويبدأ في تبني قيم قاهره.
ما يطرحه ابن خلدون يتطابق بشكل مذهل مع ما يُعرف اليوم بـ “علم النفس الاجتماعي”.
– الحيل الدفاعية (الكذب والنفاق كأدوات للبقاء): عندما يشتد القهر، يصبح الصدق والمواجهة مكلفين جداً (قد يكلفان الحياة أو الحرية). لذلك، يلجأ المقهورون إلى النفاق، التملق، والكذب كآليات دفاعية للحماية من بطش المتسلط. مع مرور الوقت، تتحول هذه الحيل من “ضرورة طارئة” إلى “ثقافة مجتمعية” متجذرة.
– انهيار التضامن الاجتماعي (تآكل العصبية): في بيئة القهر، ينعدم الشعور بالأمان، وتنتشر ثقافة الوشاية والتخوين. القهر يفكك الثقة بين أفراد المجتمع، فيصبح كل فرد يبحث عن خلاصه الفردي ولو على حساب الآخرين، مما يدمر “العصبية” واللحمة المجتمعية التي يراها ابن خلدون أساساً لنهضة الأمم.
– احتقار الذات والعنف الموجه للداخل: القهر الخارجي المنهجي يولد طاقة غضب مكتومة. وبما أن المقهور لا يستطيع تفريغ غضبه في من يقهرونه (بسبب الخوف)، فإنه يفرغ هذا الغضب في شكل عنف أفقي ضد أقرانه وأبناء جلدته.
– فقدان الدافعية والكسل: إذا أدرك الإنسان أن ثمرة جهده قد تُسلب منه ظلماً وقسراً، فإنه يفقد الحافز للإنتاج والإبداع. هذا “الكسل” ليس عيباً جينياً، بل هو استجابة طبيعية لانعدام العدالة القانونية والمؤسساتية.
خلاصة القول، يثبت ابن خلدون أن “الأخلاق” ليست مجرد مواعظ تُلقى في المعابد أو المدارس، بل هي انعكاس مباشر للبيئة السياسية والقانونية. لا يمكن مطالبة مجتمع يعيش تحت وطأة الظلم وانعدام سيادة القانون بأن يفرز أفراداً يتمتعون بالنزاهة والاستقامة. الإصلاح القانوني والمؤسساتي (العدل) هو شرط مسبق للإصلاح الأخلاقي.
وما طرحه ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي، جاء بعد قرون ليؤسس عليه مفكرون معاصرون نظرياتهم؛ مثل “فرانز فانون” في تحليله لنفسية المستعمَر في كتاب (معذبو الأرض)، و”ألبير ميمي” في (صورة المستعمَر)، حيث أكدوا جميعاً أن منظومة القهر تُحدث تشوهات عميقة في شخصية المقهور.
لكن رغم دقة النظرية الخلدونية كقاعدة عامة، إلا أن التاريخ يخبرنا أن القهر قد لا يؤدي دائماً وبشكل حتمي إلى الانحطاط الأخلاقي الكلي. في بعض اللحظات التاريخية، يشكل القهر الشديد صدمة توقظ الوعي وتخلق حركات مقاومة تتبنى أرقى مستويات التضامن، ونكران الذات، والتكافل الاجتماعي، وتصنع “عصبية” جديدة قادرة على قلب موازين القوى وإعادة بناء الدولة.

