المجاهد الجزائري الراحل مؤسس جبهة التحرير الوطني الجزائرية محمد بوضياف احتضنه المغرب، واغتالته يد الغدر الجزائري بعد أن عُيّـِنَ رئيسا لإنقاذ الجزائر من العشرية السوداء ومحاربة فساد العسكر

المجاهد الجزائري الراحل مؤسس جبهة التحرير الوطني الجزائرية محمد بوضياف احتضنه المغرب،  واغتالته يد الغدر الجزائري بعد أن عُيّـِنَ رئيسا لإنقاذ الجزائر من العشرية السوداء ومحاربة فساد العسكر

عبدالقادر كتـــرة

محمد بوضياف، القنيطرة، المغرب، دجنبر 1978. صور التقطها جان كلود دويتش لمجلة “باري ماتش” (مقابلة أجراها جورج مينان)، وكتب:

“كان محمد بوضياف، العضو المؤسس لجبهة التحرير الوطني الجزائرية (FLN) وأحد قادة حرب الاستقلال، قد أُجبر على الخروج إلى المنفى بعد اصطدامه مع نظام ما بعد الاستقلال.

استقر في مدينة القنيطرة بالمغرب، حيث عاش لما يقرب من 28 عاماً يدير مصنعاً صغيراً لصناعة الطوب (الآجر).

ارتبط بشدة ببلده المتبنى، ودعم بشكل ملحوظ سيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي وضعه في خلاف حاد مع الجزائر العاصمة.

في يناير 1992، تم استدعاؤه للعودة لقيادة “المجلس الأعلى للدولة” في الجزائر. وبعد خمسة أشهر، وتحديداً في 29 يونيو 1992، تم اغتياله على يد أحد حراسه الشخصيين أثناء إلقاء خطاب متلفز في مدينة عنابة. وقد اعترف الجنرال خالد نزار لاحقاً بأن دعم بوضياف للوحدة الترابية للمغرب كان سبباً رئيسياً وراء مقتله”.

لم يتم استدعاء (1992)بوضياف من فراغ؛ فقد جاء ذلك إثر أزمة سياسية خانقة في الجزائر بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1991 (والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS). استقال الرئيس الشاذلي بن جديد، وتدخل الجيش باحثاً عن شخصية تاريخية تحظى بشرعية ثورية لا تشوبها شائبة لقيادة المرحلة الانتقالية، فكان بوضياف (أحد قادة مجموعة 22 التاريخية) هو الخيار الأمثل.

بمجرد توليه السلطة، لم يكن بوضياف مجرد واجهة للنظام العسكري كما كان يُتوقع. فقد أطلق حملة شرسة ضد الفساد والمحسوبية وما أسماه بـ “المافيا السياسية والاقتصادية” المتغلغلة في أجهزة الدولة.

اغتيل بوضياف برصاص الملازم “مبارك بومعرافي”، وهو عضو في مجموعة التدخل الخاص (GIS).

ولا يزال مقتله يثير الكثير من الجدل، حيث اعتبرته الرواية الرسمية “عملاً معزولاً”، بينما يرى الكثير من الجزائريين والمراقبين أنه كان اغتيالاً مدبراً من قبل قوى النفوذ داخل الدولة العميقة التي شعرت بالتهديد من إصلاحاته.

كان موقفه من الصحراء المغربية الذي يعد خطاً أحمر في العقيدة السياسية والعسكرية للجزائر. كانت إقامة بوضياف الطويلة في المغرب وعلاقاته الطيبة هناك، وتفهمه العميق للروابط التاريخية، جعلت مقاربته لقضية الصحراء ومسألة “البوليساريو” مختلفة تماماً عن توجهات جنرالات الجيش الجزائري.

اعتراف خالد نزار يؤكد أن السياسة الخارجية تجاه المغرب هي قضية هيمنة إقليمية بالنسبة للنظام الجزائري وليست مجرد موقف دبلوماسي.

يوضح مسار بوضياف كيف تتعامل الثورات غالباً مع أبنائها. كقائد تاريخي، تم تهميشه وإبعاده فور استقلال البلاد عام 1962 بسبب صراع الزعامات (خاصة مع أحمد بن بلة وهواري بومدين). وعندما احتاجت الطغمة العسكرية إلى شرعية تاريخية لإنقاذ النظام في 1992، استنجدت به، لكنها سرعان ما تخلصت منه عندما حاول ممارسة سلطته الفعلية والابتعاد عن الخطوط المرسومة له.

موقفه من المغرب كان “سبباً رئيسياً” للاغتيال، إلا أن التحليل الشامل يشير إلى أن بوضياف قُتل نتيجة تراكمات متعددة: سعيه لاستقلالية القرار، حربه ضد الفساد وتهديده لمصالح كبار الضباط، بالإضافة إلى مواقفه المعتدلة إقليمياً والتي كانت تتناقض مع السردية العدائية التي يتبناها النظام تجاه الجار الغربي.

محمد بوضياف أو “سي الطيب الوطني” هو شخصية تراجيدية بامتياز، يمثل “الأمل المجهض” للجزائر وللمغرب العربي ككل.

قصته تجسد مأساة جيل الاستقلال في شمال إفريقيا؛ رجال ضحوا من أجل حرية أوطانهم، ليجدوا أنفسهم منفيين في الأوطان التي ساهموا في تحريرها، أو مطاردين من قبل رفاق السلاح.

كان بوضياف يمتلك رؤية وحدوية للمغرب الكبير، بحكم عيشه الطويل في المغرب، وكان يمكن أن يكون جسراً حقيقياً للسلام والمصالحة بين الرباط والجزائر العاصمة.

اغتياله لم يكن مجرد تصفية جسدية لرئيس دولة، بل كان اغتيالاً لفرصة تاريخية حقيقية لدمقرطة الجزائر، ولبناء مغرب عربي موحد ينهي الصراعات المفتعلة. مشهد اغتياله المأساوي وهو يتحدث عن ضرورة اللحاق بالدول المتقدمة وقيمة العمل، سيبقى محفوراً كواحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *