الأمير عبدالقادر والشيخ ابن باديس، الأول من الشرفاء الادارسة والثاني أمازيغي من قبيلة صنهاجة، مغاربة من الذاكرة المشتركة تجاوزت الحدود السياسية الحالية
عبدالقادر كتـــرة
تعتبر العلاقة بين الأمير عبد القادر والمغرب من أهم فصول تاريخ المنطقة في القرن التاسع عشر، وهي علاقة مرت بمحطات بطولية ثم مأساوية.
ينتمي الأمير عبد القادر إلى الشرفاء الأدارسة، وهو نسب يربطه مباشرة بالدولة الإدريسية التي أسست أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب. هذا الرابط جعل له مكانة روحية خاصة لدى المغاربة.
في بداية مقاومته، تلقى الأمير دعماً كبيراً من السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن بن هشام. بل إن الكثير من قبائل الغرب الجزائري بايعت السلطان المغربي أولاً، ولما تعذر عليه قيادتهم مباشرة بسبب الضغوط الفرنسية، دعم تنصيب الأمير عبد القادر قائداً للمقاومة.
محطة معركة إيسلي (1844) هي المحطة الأبرز؛ حيث ضحى المغرب باستقراره العسكري ودخل حرباً مباشرة ضد فرنسا في “معركة إيسلي” قرب وجدة، دفاعاً عن الأمير عبد القادر وحمايةً للحدود من التغلغل الفرنسي.
كانت هزيمة الجيش المغربي في هذه المعركة نقطة تحول أدت إلى توقيع معاهدة للا مغنية، التي رسمت الحدود وتركت ثغرات استغلها الاستعمار لاحقاً.
بعد معاهدة للا مغنية، وقع السلطان المغربي تحت ضغوط دولية هائلة، واعتبرت فرنسا الأمير عبد القادر “خارجاً عن القانون” في كلا البلدين.
أدى ذلك إلى صدام مؤلم بين قوات السلطان وقوات الأمير في أواخر أيامه بالمنطقة، وهو الصدام الذي انتهى بقرار الأمير تسليم نفسه للفرنسيين حقناً للدماء وتفادياً لحرب أهلية “مغاربية”.
علاقة الشيخ عبدالحميد بن باديس بالمغرب كانت ذات طابع فكري، تربوي، وقومي، تمثلت في وحدة الهدف ضد الاستعمار الثقافي.
كان هناك تنسيق وتأثر متبادل كبير بين “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” بقيادة ابن باديس، وبين زعماء الحركة الوطنية في المغرب مثل علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني. كلاهما كان ينهج “السلفية الإصلاحية” لمواجهة الطرقية الصوفية التي اتهموها بالمهادنة مع الاستعمار، ولمواجهة التغريب الفرنسي.
رغم أن ابن باديس درس في الزيتونة بتونس، إلا أن خريجي جامعة القرويين بفاس كانوا ركائز أساسية في تبادل الرسائل والطلبة والأفكار مع مدارس جمعية العلماء.
كانت فاس ومنابر ابن باديس في قسنطينة يمثلان جبهة واحدة للدفاع عن اللغة العربية والإسلام في المغرب العربي.
كان ابن باديس من أشد المؤمنين بأن معركة التحرير هي معركة واحدة تشمل تونس والجزائر والمغرب. وفي كتاباته، كان يشيد دائماً بالمقاومة المغربية (مثل ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي) ويعتبرها نموذجاً يُحتذى به.
خلاصة القول، بينما كان المغرب بالنسبة للأمير عبد القادر هو “العمق الاستراتيجي” والحليف العسكري الذي دفع ثمناً غالياً (في معركة إيسلي) بسبب دعمه له، كان المغرب بالنسبة لابن باديس هو “العمق الثقافي” والشريك في معركة الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للمنطقة.
كلا الرجلين يمثلان جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة المشتركة التي تتجاوز الحدود السياسية الحالية، وهو ما يفسر الاحترام الكبير الذي يحظيان به في الوجدان المغربي حتى اليوم.
1. شجرة نسب الأمير عبد القادر (النسب الإدريسي)
ينتمي الأمير عبد القادر إلى آل البيت، وتحديداً إلى الأدارسة (نسبة إلى إدريس الأول مؤسس الدولة الإدريسية في المغرب)، وهو شريف حسني. شجرة نسبه الموثقة في المصادر التاريخية هي كالتالي:
هو الأمير عبد القادر بن محي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار بن عبد القادر بن أحمد بن محمد بن عبد القوي بن علي بن أحمد بن عبد القوي بن خالد بن يوسف بن أحمد بن بشار بن محمد بن مسعود بن طاوس بن يعقوب بن عبد القوي بن أحمد بن محمد بن إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله الكامل (المحض) بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الخليفة علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء بنت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
ملاحظة: عائلته تُعرف أيضاً بـ “الأشراف الأدارسة” أو “المخاتير” (نسبة إلى جده المختار)، وقد استقرت في منطقة غريس (قرب معسكر بالغرب الجزائري) بعد هجرات متتالية.
2. شجرة نسب الشيخ عبد الحميد بن باديس (النسب الصنهاجي الزيري)
ينتمي الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى واحدة من أعرق العائلات الأمازيغية في الشمال الإفريقي، وهي عائلة ذات جذور ملكية تعود إلى قبيلة “صنهاجة”، وتحديداً إلى سلالة “بني زيري” (الدولة الزيرية) التي حكمت أجزاء واسعة من المغرب العربي وتأسست على يد زيري بن مناد. شجرة نسبه القريبة هي:
هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات بن عبد الرحمن بن باديس.
– امتداد النسب: يرتفع نسب العائلة تاريخياً ليتصل بملوك وأمراء الدولة الزيرية، وأشهرهم الأمير المعز بن باديس الزيري الصنهاجي (الذي حكم إفريقية – تونس حالياً – وأجزاء من الشرق الجزائري في القرن الحادي عشر الميلادي، وهو الذي أعلن الانفصال عن الفاطميين والعودة إلى المذهب السني).
-توارثت عائلة بن باديس عبر القرون العلم والجاه في مدينة قسنطينة (عاصمة الشرق الجزائري)، وكان أفرادها دائماً من كبار العلماء والقضاة والأعيان.
خلاصة القول، يمثل الأمير عبد القادر الامتداد المشرقي-العلوي والرباط الروحي للأدارسة.
ويمثل الشيخ بن باديس الامتداد الأمازيغي-الصنهاجي والعمق التاريخي للدول العريقة التي حكمت المنطقة. وكلاهما اجتمعا على هدف واحد وهو الدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للمنطقة ضد الاستعمار.

