الفرق بين الرباط والجزائر هو الفرق بين “منطق البناء” و”منطق البقاء”: المغرب يبني للمستقبل (مشاريع، استثمارات، دبلوماسية)، والجزائر تصارع للبقاء في كراسي الماضي

الفرق بين الرباط والجزائر هو الفرق بين “منطق البناء” و”منطق البقاء”: المغرب يبني للمستقبل (مشاريع، استثمارات، دبلوماسية)، والجزائر تصارع للبقاء في كراسي الماضي

عبدالقادر كتـــرة

مفهوم “الاستثناء المغربي” مفهوم لا يقوم على الشعارات، بل على ركائز سوسيولوجية وتاريخية ومؤسساتية صلبة تجعل مقارنته بالنظام الجزائري مقارنة بين “الدولة-الأمة” الضاربة في القدم وبين “الدولة-الوظيفية” التي تبحث عن شرعية مفقودة.

هذه الركائز تشكل “درع الحماية” للمغرب أمام العواصف الإقليمية، إذ الملكية “صمام أمان” (الاستمرارية مقابل القطيعة)، وترتكز على

المشروعية التاريخية: 12 قرناً من الحكم ليست مجرد رقم، بل هي تراكم هوياتي. الملكية في المغرب ليست مجرد “سلطة سياسية”، بل هي “مرجعية روحية ورمزية” توحد الأمازيغي والعربي، المسلم واليهودي، والحداثي والمحافظ.

– على عكس النظام الجزائري الذي ينكسر لأنه “صلب ومتصلب”، أثبتت الملكية المغربية قدرتها على “الانحناء للعاصفة” (القدرة على التأقلم) ثم قيادتها (كما حدث في دستور 2011). هذه المرونة هي التي تحول دون وقوع “الانفجار الاجتماعي”.

– التعددية السياسية (التنفيس مقابل القمع)

المعارضة الحية: وجود أحزاب حقيقية (حتى الراديكالية منها) تعمل تحت سقف الدستور يخلق نوعاً من “الوساطة السياسية”.

في المغرب، المواطن الغاضب يجد حزباً أو نقابة أو صحافة (رغم كل الملاحظات) ليوصل صوته، بينما في الجزائر لا توجد وساطة، الصدام مباشر بين “المواطن والجنرال”.

– النقد المسموح: استيعاب الأصوات المعارضة داخل النسق السياسي بدلاً من سجنها أو تصفيتها يحول “الطاقة التخريبية” للاحتجاج إلى “طاقة إصلاحية”.

الدبلوماسية “الهادئة” والقوة الناعمة المتمثلة في تعدد الشركاء: المغرب نجح في معادلة صعبة جداً؛ فهو حليف استراتيجي لأمريكا، وشريك رئيسي لأوروبا، ومنفتح على الصين وروسيا، وعائد بقوة لبيته الأفريقي. هذه “الواقعية السياسية” تجعل العالم يرى في استقرار المغرب مصلحة دولية عليا.

– احترام المواثيق: التزام المغرب بالقانون الدولي في ملف الصحراء (مقترح الحكم الذاتي) جعله في موقف “المبادر”، بينما بقي النظام الجزائري في موقف “المعرقِل”، مما عمق عزلة الأخير.

الموقع الجغرافي يحتم على المغرب التأثر بجيرانه ويفرص عليه مواجهة تحديات والثمن الغالي لعدة أسباب:

– الكلفة الأمنية: اضطرار المغرب لإنفاق مبالغ ضخمة على التسلح لمواجهة تحرشات النظام الجزائري يُقتطع من ميزانيات الصحة والتعليم.

– موجات النزوح: في حال وقوع “انفجار” في الجزائر، سيكون المغرب (رغم غلق الحدود) وجهة محتملة لتدفقات بشرية، مما يشكل ضغطاً أمنياً واقتصادياً.

لكن المغامرة الاخيرة والخطر الأكبر يبقى في “رقصة الديك المذبوح”؛ أي أن يلجأ النظام العسكري الجزائري لعمل انتحاري عسكري لجر المنطقة كلها للفوضى، وهو السيناريو الذي يتعامل معه المغرب بحكمة الصبور وقوة المستعد.

خلاصة القول، الفرق بين الرباط والجزائر هو الفرق بين “منطق البناء” و”منطق البقاء”. المغرب يبني للمستقبل (مشاريع، استثمارات، دبلوماسية)، والجزائر تصارع للبقاء في كراسي الماضي.

التاريخ أثبت أن الشعوب قد تصبر على الخصاص المادي، لكنها لا تصبر على “إهانة الكرامة” وغياب الأفق. وبما أن المغرب ملكاً وشعباً اختاروا طريق “التنمية التشاركية” والواقعية، فإن فرص تجاوزهم للصعاب تبقى قوية جداً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *