محمد بوعرورو ورئاسة جهة الشرق.. حين تتحول المسؤولية إلى صدفة سياسية
في سياق سياسي يتطلب كفاءة عالية ورؤية استراتيجية واضحة، برز اسم محمد بوعرور، الذي سقط سهوا على رئاسة مجلس جهة الشرق في ظرف استثنائي، أعقب سقوط سلفه عبد النبي بعيوي في قبضة العدالة على خلفية ما بات يعرف بقضية إسكوبار الصحراء. غير أن انتقال السلطة داخل مجلس الجهة، وإن تم وفق المساطر القانونية، فتح الباب واسعا أمام تساؤلات جوهرية حول معيار الكفاءة، وحدود الشرعية السياسية، ومستقبل التنمية في واحدة من أكثر جهات المملكة هشاشة اقتصاديا واجتماعيا.
لا يخفى على المتابعين أن المسار المهني لبوعرورو كان بعيدا عن دوائر القرار العمومي، إذ اشتغل سابقا سائق سيارة إسعاف، وهو عمل نبيل في حد ذاته، لكنه لا يشكل بالضرورة مؤهلا لتدبير مؤسسة ترابية بحجم وتحديات جهة الشرق. كما أن مستواه التعليمي المحدود (بكالوريا غير مكتملة) يطرح علامات استفهام إضافية حول مدى جاهزيته لتولي مسؤولية تتطلب إلماما بآليات التخطيط الاستراتيجي، والمالية العمومية، وجلب الاستثمار، وتدبير الشراكات الوطنية والدولية.
الوصول إلى المنصب، في نظر كثير من المتابعين، لم يكن ثمرة مسار تراكمي من الكفاءة والتدرج السياسي، بقدر ما كان نتيجة فراغ مفاجئ أحدثه سقوط الرئيس السابق. وهو ما يكرس منطق الرئاسة بالصدفة بدل الرئاسة بالمشروع.
وتواجه جهة الشرق إشكالات بنيوية عميقة في مقدمتها معدلات بطالة مرتفعة، خصوصا في صفوف الشباب، وضعف النسيج الصناعي، وتباطؤ الاستثمار، إضافة إلى تداعيات وقف التهريب مع الجزائر وما ترتب عنه من ركود اقتصادي في عدد من الأقاليم الحدودية.
أمام هذا الواقع، كان الرهان ينتظر قيادة جهوية تملك تصورا تنمويا واضحا، قادرا على إعادة توجيه الأولويات نحو خلق فرص الشغل، وتحفيز المقاولة المحلية، واستثمار المؤهلات السياحية والفلاحية واللوجستيكية التي تزخر بها الجهة. غير أن المتتبعين لا يلمسون، إلى حدود الساعة، ملامح مشروع متكامل أو مبادرات نوعية تعكس إدراكًا لحجم التحدي.
من أكثر النقاط التي أثارت انتقادات داخل الرأي العام الجهوي، ما يتداول حول كثافة السفريات والمشاركات الخارجية التي تثقل كاهل ميزانية الجهة. ورغم أن الانفتاح الخارجي واستقطاب الشراكات يظلان عنصرين أساسيين في العمل الجهوي، فإن السؤال المطروح يتعلق بمدى جدوى هذه التنقلات، وشفافية نتائجها، وانعكاسها الفعلي على مؤشرات التنمية المحلية.
فميزانية الجهة هي في نهاية المطاف مال عام مصدره دافعو الضرائب، وأي صرف لها ينبغي أن يخضع لمنطق الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة دقيقة للرأي العام حول العائد التنموي لكل نشاط.
لا خلاف في أن بوعرور وصل إلى منصبه وفق مساطر قانونية، لكن الشرعية القانونية لا تكفي وحدها لضمان القبول الشعبي أو النجاح السياسي. فثمة شرعية أخرى أكثر عمقا، هي الشرعية التنموية، التي تكتسب عبر الإنجاز الملموس، والقدرة على إحداث فرق حقيقي في حياة المواطنين.
إن رئاسة جهة بحجم الشرق ليست موقعا بروتوكوليا أو محطة عابرة، بل مسؤولية تاريخية تتطلب كفاءة، ورؤية، وجرأة في اتخاذ القرار. وبين الانتظارات الكبيرة والواقع الحالي، يظل السؤال مفتوحا هل سيتمكن محمد بوعرورو من التحول من رئيس بالصدفة إلى قائد تنموي فعلي، أم أن الجهة ستظل رهينة تدبير محدود الأفق في زمن لا يرحم المترددين؟

