إِطَارَاتُ الْمَوْتِ فِي الْجَزَائِرِ: حَافِلَاتٌ بِمَثَابَةِ تَوَابِيتَ مُتَنَقِّلَةٍ، “خِيَاطَةُ” الْعَجَلَاتِ وَاسْتِنْزَافُ الْأَرْوَاحِ، 25 حَالَةَ وَفَاةٍ وَ44 مصابا فِي حَادِثَةِ انْقِلَابِ حَافِلَةٍ لِنَقْلِ الْمُسَافِرِينَ
عبدالقادر كتـــرة
مرة أخرى، تستيقظ الجزائر على وقع فاجعة دموية تنضاف إلى السجل الأسود لحوادث المرور. حادثة انحراف وانقلاب حافلة لنقل المسافرين بالطريق الاجتنابي برحمون الكرمة في ولاية بومرداس، والتي خلفت حصيلة ثقيلة ومفجعة بلغت 25 حالة وفاة و44 مصاباً، ليست مجرد رقم جديد في الإحصائيات، بل هي جرح عميق يفتح من جديد ملفاً شائكاً طالما حاولنا التغاضي عنه: حالة حافلات النقل العمومي، وتحديداً “إطارات الموت” التي تدحرج هذه المركبات نحو الهاوية.
وهم التوفير.. وانتحار مع سبق الإصرار
إن إرجاع هذه الكوارث المتكررة إلى “القضاء والقدر” بات عذراً غير مقبول يتهرب به المتسببون الحقيقيون من المساءلة.
الصور والفيديوهات التي يتداولها السائقون والمواطنون تكشف عن واقع مرعب لا يمت بصلة لأعطال ميكانيكية مفاجئة، بل يندرج تحت طائلة “الجريمة المكتملة الأركان”.
نحن نتحدث اليوم عن حافلات تزن أطناناً، تحمل عشرات الأرواح، وتسير مئات الكيلومترات بعجلات مطاطية أعيد تدويرها بطرق بدائية (Réchappé)، أو بإطارات مستوردة مغشوشة لا تتحمل حرارة الزفت ولا حمولة المركبة.
والأبشع من ذلك، لجوء بعض الناقلين إلى “خياطة” تمزقات الإطارات بالخيوط لترقيعها لافتقادها في السوق، في استهتار غير مسبوق بحياة البشر.
هذا الترقيع قد يصمد لبضعة كيلومترات، لكن مع أول منعرج حاد، ينفجر الإطار، ويفقد السائق السيطرة، لتكون النتيجة انقلاباً حتمياً وحصيلة كارثية.
من يتحمل فاتورة الدم؟
المسؤولية هنا ليست فردية، بل هي سلسلة من التواطؤ والتسيب تشترك فيها عدة أطراف:
– الناقلون الخواص: الذين غلّبوا جشع الربح وتقليل النفقات على حساب صيانة الحافلات وتزويدها بقطع غيار أصلية وآمنة.
– مراكز الفحص التقني(إن وجدت): التي تقع على عاتقها مسؤولية قانونية وأخلاقية كبرى. إن منح “شهادة صلاحية السير” لحافلة تسير بإطارات “ممسوحة” أو مرقعة هو بمثابة تصريح علني بالقتل.
– الجهات الرقابية: التي تتساهل في مراقبة أسواق قطع الغيار، مما يسمح بدخول سلع مقلدة ومميتة إلى السوق الوطنية، واستغلال شبكات التهريب لندرة القطع الأصلية.
ختاما، نحو إعلان حالة الطوارئ المرورية
إن دماء الضحايا في بومرداس، وقبلها في تيكجدة وقسنطينة وتمنراست وغيرها، يجب أن تكون نقطة تحول جذرية. لا يمكن وقف هذا النزيف بمجرد حملات توعوية موسمية.
المطلوب اليوم هو تدخل حازم من الدولة، بعد توفير العجلات، تجريم استخدام العجلات المعاد تدويرها أو المرقعة في مركبات النقل العمومي، وتصنيف هذه المخالفات كـ “جنايات” تصل عقوبتها إلى السجن وسحب السجلات التجارية بصفة نهائية. التهاون في تطبيق القانون اليوم يعني انتظار الفاجعة القادمة غداً. لقد حان الوقت لتطهير قطاع النقل من المستهترين بأرواح الجزائريين، لكي لا تبقى الطرقات مجرد مقابر مفتوحة.

