نظام الجزائر يطارد النشطاء: اعتقال الناشط والمدون “كريم كاكي، ومذكرة بحث في حق الممثل “عماد بن شنيني” المقيم في الخارج بتهمة “التواصل مع أطراف أجنبية

نظام الجزائر يطارد النشطاء: اعتقال الناشط والمدون “كريم كاكي، ومذكرة بحث في حق الممثل “عماد بن شنيني” المقيم في الخارج بتهمة “التواصل مع أطراف أجنبية

عبدالقادر كتـــرة

أمرت محكمة سيدي امحمد في الجزائر بإيداع اثنين من المتهمين الحبس الاحتياطي، واصدار مذكرة توقيف دولية ضد الممثل الجزائري المقيم في فرنسا عماد بن شنيني، وذلك في قضية تتعلق بحملة تشهير على وسائل التواصل الاجتماعي استهدفت صحفيين وشخصيات مقربة من “عصابة تبون” (في إشارة إلى محيط الرئيس عبد المجيد تبون) في نوفمبر 2025.

وقد بدأت القضية باعتقال الناشط والمدون “كريم كاكي”، المشهور بدوره المثير للجدل في حملات دعائية سابقة موجهة من أجهزة الأمن. وتم اتهامه بـ”السب والقذف وانتقاد الحياة الخاصة، والاتصال بأطراف أجنبية، وخرق تشريعات العملة والصرف”، حيث زعمت السلطات الجزائرية أنه تلقى أموالًا من رجال أعمال هاربين مقابل نشر معلومات كاذبة وهجمات ضد شخصيات مقربة من النظام.

هذه القضية تعكس عدة طبقات متشابكة من الواقع السياسي والقضائي والإعلامي في الجزائر، أولها توظيف القضاء إذ تُظهر القضية كيف يمكن توظيف الجهاز القضائي في صراعات ذات طبيعة سياسية أو شخصية. الإتهامات المتنوعة (من التشهير إلى التواصل مع أجنبي وخرق قوانين الصرف) تشير إلى محاولة لإضفاء طابع جنائي جاد على قضية قد يكون جوهرها نزاعًا على السردية الإعلامية.

ثم تصفية حسابات داخلية حيث تكشف القضية عن صراعات داخل المشهد الدعائي للنظام.

اعتقال شخصية مثل “كريم كاكي” الذي يُنسب إليه العمل لصالح “أجهزة أمن النظام منذ 2019” يشير إلى احتمال وجود تطهيرات أو تسويات حسابات داخل شبكات الدعابة الرقمية التابعة للدولة نفسها، أو تحول في التحالفات الداخلية.

وتوسيع دائرة الردع عبر استهداف ممثل مشهور مثل عماد بن شنيني المقيم في الخارج بإصدار مذكرة توقيف دولية، يُرسل رسالة قوية مفادها أن حدود الوطن لم تعد حصينة لمن يُعتبرون خارج السيطرة أو منتقدين، في محاولة لردع الناشطين والمشاهير في الشتات.

من جهة ثانية، تأتي هذه القضية في سياق عام من تضييق الحيز الرقمي وفرض رقابة أكثر صرامة على منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر. يُستخدم قانون الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية بشكل متكرر لقمع الآراء المخالفة.

· نموذج “العداء الأجنبي”: ربط الاتهامات بـ “التواصل مع أطراف أجنبية” و”تمويل أجنبي” هو نموذج شائع في المنطقة لتجريم النشاط النقدي وإضفاء شرعية قمعية عليه، من خلال تصويره كتهديد للأمن القومي وليس مجرد ممارسة لحق النقد.

من جهة أخرى، من المرجح أن تلقى الرواية الرسمية للقضية ترحيبًا من القاعدة المؤيدة للنظام التي ترى في ذلك “ضربة لأعداء الدولة والمؤامرات”.

في المقابل، سيراها الناشطون والمعارضون وأوساط الفن المستقل كدليل إضافي على استبدادية النظام واستخدام القضاء لتصفية الخصوم.

قد تؤثر مثل هذه القضايا، خاصة تلك التي تطال فنانين معروفين في الخارج مثل بن شنيني، سلبًا على صورة الجزائر في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان، وتُستخدم من قبل منظمات المراقبة الدولية لتسليط الضوء على تراجع الحريات.

ختاما، هذه القضية ليست مجرد ملاحقة قانونية عادية، بل هي عرضة مصغرة لديناميكيات السلطة في الجزائر الحالية:

أولها، ضعف النظام رغم القوة الظاهرية إذ الحملة القضائية الواسعة ضد حملة تشهير على وسائل التواصل قد تعكس في الواقع حساسية مفرطة وهشاشة لدى النخبة الحاكمة تجاه أي نقد، حتى لو كان عبر منصات رقمية.

ثانيها، استمرار عسكرة الفضاء العام بحكم أن تدخل جهاز الأمن العسكري (الدي سي إس إيه) في قضية لها جوانب مدنية (تشهير) يؤكد على الطبيعة الأمنية الغالبة على إدارة الشأن العام وحتى النزاعات الشخصية.

وثالثها، تكتيك جديد-قديم حيث يعيد النظام إنتاج أساليب تقليدية في الملاحقة (قوانين السب، اتهامات العمالة) مع تكييفها مع العصر الرقمي، مستهدفًا الناشطين الرقميين والفنانين كفاعلين جدد في ساحة الرأي العام.

باختصار، بينما تقدم الدولة الرواية على أنها “دفاع عن القانون والشرف”، فإن التحليل يُظهر استخدام القانون كأداة في معركة سياسية لتكريم سردية واحدة وسحق أي صوت منافس، مما يؤشر على استمرار تقلص هامش حرية التعبير وتعقيد بيئة العمل بالنسبة للإعلاميين والفنانين في الجزائر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *