إفلاس وتصفية مجموعة “براندت” الفرنسية الجزائرية للإلكترونيات المنزلية وكابوس كارثي وعواقب وخيمة على الاقتصاد الجزائري ومجموعة سيفيتال
عبدالقادر كتـــرة
أعلنت محكمة الأنشطة الاقتصادية في نانتر بفرنسا، يوم الخميس 11 دجنبر 2025، تصفية مجموعة “براندت” للإلكترونيات المنزلية، مما يعني نهاية آخر صانع للأجهزة المنزلية الكبيرة (“جروس إلكتروميناجيه”) في البلاد.
الخسائر البشرية والصناعية ستؤدي هذه الخطوة إلى فقدان حوالي 700 موظف لوظائفهم، وإغلاق المصانع في “أورليان” وفوندوم، واختفاء علامات تجارية فرنسية شهيرة هي “براندت”، “سوتير”، “فيديت”، و”دي ديتريش”.
رئيس منطقة سنتر-فال دو لوار، “فرانسوا بونو”، وصف الخبر بأنه “صدمة” و”ضربة قاسية جدًا للصناعة الفرنسية”. وأعربت الحكومة الفرنسية عن “حزنها العميق”.
ورغم محاولات الإنقاذ الفاشلة، رفضت المحكمة مشروعًا لتحويل الشركة إلى تعاونية عمالية (Scop) مدعومة من الدولة والسلطات المحلية، كان من شأنه إنقاذ ما لا يقل عن 370 وظيفة.
ويرجع سبب الرفض إلى عدم كفاية الضمانات المالية لاستمرارية النشاط، حيث قُدّرت الأموال المطلوبة بـ 20-25 مليون يورو.
عانت المجموعة من الأسباب الهيكلية مثل القطاع الصناعي الفرنسي عمومًا، منها منافسة شرسة من الواردات الصينية التي غمرت السوق، وأزمة قطاع العقار، حيث يرتبط شراء الأجهزة الكبيرة غالبًا بالانتقال لمسكن جديد وانخفاض القوة الشرائية للمستهلكين، مما جعل الأجهزة الكبيرة، كالسيارات، من أولى المشتريات التي يتم تأجيلها.
المجموعة مملوكة منذ عام 2014 لمجموعة “سيفيتال” الجزائرية، التي استثمرت حوالي 250 مليون يورو في حينها لامتلاك هذه العلامات الفرنسية المرموقة. وتمثل هذه التصفية نكسة استراتيجية كبرى لسيفيتال، حيث تفقد بذلك استثمارها الصناعي الرئيسي والأخير في فرنسا، وتغلق جسرًا صناعيًا بين الجزائر وأوروبا.
ورغم أن الأخبار في الجزائر ركزت على فشل المشروع الفرنسي، إلا أن العواقب الأعمق على الاقتصاد الجزائري ومجموعة سيفيتال تتجاوز ذلك، وهناك جوانب قد لا تحظى بتغطية واسعة في الخطاب المحلي.
إفلاس المجموعة له تداعيات مباشرة وواضحة تتجسد في خسارة استثمار استراتيجي حيث تمثل “براندت” واجهة صناعية جزائرية في أوروبا ومشروعًا لتحويل الخبرة التصنيعية إلى الجزائر. فشلها يلقي بظلال من الشك على جدوى مشاريع العبور الصناعي في ظل المنافسة الدولية الشرسة.
كما إنها ضربة لسمعة المستثمر الجزائري إذ كان استحواذ سيفيتال على براندت رمزًا لطموح رجل الأعلال الجزائري أسعد ربراب في دخول السوق الأوروبية، والتصفية تشكل اختبارًا صعبًا لسمعته كرجل أعمال قادر على إدارة وتنشيط علامة صناعية أوروبية عريقة.
قد يثير فشل هذه الصفقة الكبرى شكوكًا لدى الشركاء الأوروبيين والدوليين حول قدرة المجموعات الجزائرية على إدارة استثمارات صناعية معقدة وعالية التكلفة في الخارج على المدى الطويل.
ويمكن أن يؤثر هذا سلبًا على تكلفة وجدوى خطط التوسع المستقبلية للشركات الجزائرية خارج القارة الأفريقية.
كما أن إخفاء ضغوط مالية أعمق داخل مجموعة سيفيتال إذ رغم عدم ورود تفاصيل دقيقة في نتائج البحث عن خسائر مالية بقيمة 40%، إلا أن وضع براندت تحت الحراسة القضائية ثم تصفيتها يشير إلى أزمة تدفق نقدي وضغوط ديون حادة عانت منها الشركة الفرنسية.
هذا الفشل يستنزف موارد مالية ومعنوية كبيرة من مجموعة سيفيتال الأم، التي قد تكون بحاجة إلى تركيز مواردها على استقرار أعمالها الأساسية في الجزائر، خاصة في قطاعاتها الزراعية والصناعية الحيوية، في ظل ظروف اقتصادية عالمية صعبة.
وقد يتم تحويل التركيز في التغطية المحلية نحو اتهام المنافسة الخارجية (الصينية) أو قرار المحكمة الفرنسية، بينما يتم إغفال الدروس الإدارية والاستراتيجية، حسب خبراء اقتصاديين .
وتشمل هذه الدروس صعوبة دمج الثقافات الإدارية بين أسلوب عمل جزائري وأوروبي والتحدي في مجاراة الابتكار والتسويق في سوق أوروبية تنافسية للغاية وعدم كفاية خطة نقل التكنولوجيا أو أن تكون العمليات المنقولة إلى الجزائر قد تأخرت أو لم تكن كافية لخلق ميزة تنافسية حقيقية.
التكتم على الآثار المحتملة على العلاقات الاقتصادية الثنائية إذ فشل هذا الاستثمار الرمزي قد يخلق جوًا من الحذر في المشاريع الاقتصادية المشتركة المستقبلية بين الجزائر وفرنسا.
وقد يتسبب في تباطؤ أو إعادة تقييم استثمارات جزائرية أخرى في فرنسا أو دول أوروبية، خوفًا من تكرار السيناريو.
خلاصة القول، تصفية براندت هي أكثر من مجرد إغلاق لمصنع فرنسي. إنها نهاية لحلم صناعي جزائري-فرنسي استمر لعقد من الزمن. بالنسبة للاقتصاد الجزائري، تمثل القصة تحذيرًا حول تحديات الاستثمار الصناعي الخارجي في قطاعات ناضجة وتعاني من منافسة شرسة.
الخطوة التالية الحاسمة هي كيف ستتعامل السلطات والمجموعات الاقتصادية الجزائرية مع هذه النكسة: إما باعتبارها درسًا استراتيجيًا لمراجعة نماذج التوسع والاستحواذ الخارجي، أو مجرد حادث عابر في مسيرة تصدير رأس المال.

