المغرب / واحة فجيج : عيون، سواقي وخطارات ،صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات

المغرب / واحة فجيج : عيون، سواقي وخطارات ،صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات

  اعداد محمد اعمر

سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                       

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من قصة  ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما اتيح لي من معلومات بخصوصها  وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

المكان الثامن  (الجزء الثاني)  واحة فجيج : عيون، سواقي وخطارات ،صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات.

سواقي فوق الارض واخرى تحت الارض ، خطارت على عمق مترين او اكثر ،” قباء وانفاق ” على امتداد الالاف من الامتار، فواهات يتسرب منها شعاع النهار، لا تغني عن استعمال الفتيلة اوالقنيدل او الشمع او الفنار، فتحات تضمن  التزود بقدر من الاكسجين عند كل تنقية لازاحة الاوحال ،عملية تشرف عليها الجماعة السلالية عن طريق التناوب وباسلوب التطوع والتويزة فلا درهم ولا دينار.

صهاريج لتخزين الماء و تسهيل عملية تنظيم صرفه بين الليل والنهار وحسب الايام والاسابيع وتعاقب الفصول، مادتها الحجارة والجير منعا لاي تسرب او ضياع، بنيت بادوات بسيطة وقودها عرق الجبين و السواعد القوية والعضلات المفتولة وقبل هذا وذاك الحاجة والارادة يزيدهما الدعاء وطلب العون والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حماسا وقوة ولهبا وتوهجا انها عملية ” التويزة” .

شاذوف لرفع المياه نحو اراضي زراعية يفرض وضعها  استعمال هذه التقنية  انها مهمة اضافية اخرى واعمال مضنية ولكنها تهون في سبيل ايصال قطرة الماء الى كل نقطة مهما بعدت الشقة لتروي كل نبتة في بستان مهما قل شانها وكل نخلة كانت ذكرا او انثى وكل شجرة تفاح ،خوخ ،مشمش ،زيتون اورمان ليرتوي الطير والبهيمة والانسان انه الماء ” اكسير” الحياة.

الرحاب ،جمع ” رحبة ” هكذا تسمى ،اسم على مسمى هي فعلا ساحات واسعة محاذية للمساجد كانت بمثابة ساحة  التوافقات في شان الماء قد تتحول الى ساحة “الوغى” والمعارك ،نقاشات حادة احينا ،هرج ومرج عناد ومشاحنات بين المرتفقين بعضهم البعض او بين بعضهم وبين رجل المهمة الصعبة “الصريفي “ تصل احيانا حدتها الى درجة التشابك بالأيدي او السب والشتم والقذف، لا يهدئ من روعها سوى دعوة ذكية بعد صلاة الجمعة الى اجتماع عاجل بدار الجماعة السلالية ،الموضوع: مناقشة مشاكل مياه السقي واعادة ترتيب الاوراق ، احصاء وضبط عدد الملكيات من جديد ومحاولة تحيين معطيات الجريدة الرسيمة ،السؤال عن اسباب تاخر وتماطل في اداء الكراء ،اعادة توزيع ساعات واوقات السقي كلما اختل النظام ثم اتخاد القرارات المناسبة.

وهل يسرق الماء ؟ نعم .كيف يتم ذلك ؟ حكايات عن طرق وحيل كثيرة يعرفها ” اهل مكة ” فهم ادرى بشعابها  اهونها  ان يحول احدهم  وجهة الماء نحو حقله قبل الاوان مدعيا ان ساعته مضبوطة،اخر يغادر بعيدا لقضاء حاجة ملحة  ليعود وقد وجد احدهم مع سبق اصرار وترصد قد غير وجهة الماء وغادر مكان “الجريمة” بسرعة ، طريقة وحيلة مكشوفة فعند المواجهة سيدعي” مقترفها ” بهتانا ان طريقة حصر الماء كانت معيبة ادت الى تسربه ، حكايات وروايات حقيقية واخرى من نسج الخيال كقصة  ذلك الرجل في تلك الليلة الحالكة الظلماء وقد نام عاريا عند مصب التقاء السواقي ” محسر ” لترعيب صاحب ” النوبة ” وارغامه على الهرب تاركا خلفه ساعات من ماء منهمر، هيهات فقد كان اشجع منه واحرص على صون نوبته فهم رافعا فاسه وكاد ان يرديه قتيلا.

كان كل من ثبت في حقه  مثل هذا الفعل المنكر الشنيع  ” سرقة الماء ” ملزما  بتعويض الضرر او بدفع  غرامة مالية حسب ما تحدده  القوانين العرفية على عهد نظام  الجماعات السلالية.

صورة حقيقية جميلة تلك التي سقناها عن طرق تدبيرمياه السقي وتنظيم عملية صرفه وتوزيعه داخل الواحة تدعو الى الفخروالاعتزازوالى التباهي ،لكنها تخفي صراعات قديمة حول الماء ومصادره.

ومن المفارقات ان نعد الماء من اعظم النعم تستحق شكر الخالق والثناء عليه ،هو اصل الوجود خلق منه بشرا فجعله نسبا وصهرا لتقوية اللحمة وتركيز الوحدة ، ثم يتحول بسبب سوء تصرفنا الى نقمة ووبال ووسيلة اهلاك وسببا للعداوة والبغضاء والفرقة ،ذلك هو حال الواحة قديما وحديثا ، صراع بين القصور يرجع الى قرون خلت لا تزال تحتفظ كتب التاريخ  بذكراه و تشهد عليه المخطوطات وتتناقل الاجيال اخباره، قصص وروايات عن صراعات وحروب امتزجت فيها الحقيقة بالأسطورة وامتزج فيها الواقع بالخيال عن ” بطولات ” و” فتوحات ” و” انتصارات ” كانت تحكى الى عهد قريب يتفاخر بها الاقران، خلفت نفورا وندوبا توارثتها الاجيال وعصبية بغيضة اثرت على العلاقات الاجتماعية من مصاهرة وقران وعلى روح التعاون والانفتاح وعلى علاقات الود والاخاء والمرونة وعلى المنافسة الشريفة في الرياضة والسياسة والثقافة…الخ  فيا للانصار ويا للمهاجرين حتى في شهر الصيام والغفران .دعوة جاهلية منتنة .

انها براعة قديمة في تصريف المياه يقابلها فشل في تصريف وتدبير الخلافات رغم تغير نمط الحياة.

موعدنا بفضل الله وقوته مع مكان آخر و حديث آخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.